عندما تصبح التفاهة عنواناً للواقع!!

Read Time:3 Minute, 15 Second

د.عادل القليعي يكتب*

هل أصبحت التفاهة عنوانا لواقعنا المعاصر.؟!!

سؤال يطرح نفسه ، هل حقا هناك مصطلح يسمى ثقافة التفاهة ؟! وما أثرها على المتلقي الذي بدوره عضو في مجتمع يتمتع بكل مقومات حياته.؟!

نعم هناك مصطلح يسمى ثقافة التفاهة ، مصطلح فرضته ظروف واقع نحياه ، واقع يعج بالمتغيرات السياسية، والإقتصادية ،والإجتماعية، والثقافية ، والدينية (من كثرة الرؤي والتصورات والتوجهات والأحزاب الدينية التي وظفت للأسف الدين لخدمة السياسة)-التى تكاد أن تعصف بالإنسان المعاصر وتجعله ريشه في مهب الريح ، فلا يستطيع أن يميز بين الحق والباطل، الصواب والخطأ ، الخير والشر، الجميل والقبيح.

نعم ثم مصطلح يسمى ثقافة التفاهة وهو محاولة حثيثة لحشو عقل المتلقي بسفاسف الأمور ، وتوافهها عن طريق وسائل الإعلام المختلفة وأخص بالذكر المشاهدة سواء عبر شاشات الفضائيات التي لا هم لها ليل نهار إلا بث الأمور التافهة والأعمال الهابطة التي تشرعن للبلطجة والشذوذ وقصص الحب الركيكة ، ليس هذا وحسب بل وتكلف وابتذال ألفاظ ما أنزل الله بها من سلطان وايماءات وايحاءات جنسية ، وإشارات بالأيدي ، وكل ذلك على شاشات التلفاز التي تدخل البيوت ويشاهدها الكبير والصغير، البنات والبنين والناتج ماذا ؟؛

ملهاة وكوميديا باكية ، كوميديا عبثية ، انعكست آثارها على الشارع فازداد الطين بلل ، فأصبحنا نسمع الألفاظ النابية حتى بين طلاب الجامعات ، ناهيك عن اللباس المهلهل ، وإذا ما سألت لماذا يا بني ، يا بنيتي ؟!، يأتيك الرد على الفور لزوم “الروشنة” وهذه حرية شخصية ، والفنان والفنانة الفلاني والفلانية يلبسون هكذا ، نحن نواكب العصر والمدنية الحديثة ، هل أصبحت التفاهة عنوان العصر وعنوان للمواكبة والمعاصرة ؟!، وإذا ما قدمت نقدا موضوعيا على الفور تأتيك الإتهامات من حيث تحتسب ومن حيث لا تحتسب ، تأتيك الإتهامات بالتخلف والرجعية وعدم المسايرة ومواكبة ركب التقدم الحضاري.

وأطرح سؤالا من حقي أسأله ، أي حضارة قامت على التفاهة ، هل قامت دولة النبي محمد صلى الله عليه وسلم على التفاهة؟!!!، لا وألف لا، وإنما قامت على أكتاف رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، رجال رهبان بالليل فرسان شجعان بالنهار، الواحد منهم يعدل أمة.

عندما سقطت الأندلس ما الذي أسقطها ، التعلق بالتفاهات والمغاني والمعازف والمراقص والحفلات الماجنة والبعد عن كل ما هو قيمي وأخلاقي ، هل نرضى بذلك.؟!

ليس هذا وحسب بل وحتى المسلسلات التاريخية التي ظننا أنها تؤصل لسير الأعلام ، للأسف مكتوبة بطريقة المغالطات الأرسطية المنطقية ، بلغة ركيكة ، بقضايا فقهية مغلوطة ، لماذا ؟!.

وليس الأمر مقصور على الإعلام المرئ المشاهد ، بل الصحافة المقروءة ، فهل يليق بكبريات الصحف وعلى صفحات الرأي ووسط كتاب مبدعين ، توضع مقالات عن الكنافة والقطايف وحلو يا حالو ، وربنا ما يقطع لنا عادة، وتهمل مقالات غاية في الأهمية.

ما لكم كيف تحكمون؟!، أليس منكم رجل رشيد.؟!!

القارئ الكريم ، ثقافة التفاهة سلاح ذو حدين.

الحد الأول ، قد تنجح هذه الثقافة لبعض الوقت في تغريب الإنسان عن ذاته وتجعله يفقد هويته فلا يستطيع أن يفكر في مستقبله وفي ما هو آت ، بل ويقضي جل وقته بحاثا لهاثا عن هذه التفاهات ، وقد تصبح عنده بمثابة الإدمان.

لكن السؤال هل المدمن يظل طيلة حياته مدمنا للتفاهة ، أما يأتي عليه يوما ويفيق من غفلته ويتخلص من تفاهته وكل مؤثراتها ، أم سيظل ورب أحد يقولون نعم من الممكن أن يظل هو هو كما هو ، نقول ألا يأتي يوما بجيل جديد يعاف ويمل هذه التفاهات ويمقتها ويلعن اليوم الذي عرضت عليه وشاهدها أو سمعها أو قرأها.

أما الحد الثاني وهو الأخطر واحذر من مده وامتداده فقد تستغل بعض الجماعات التكفيرية والجماعات المتطرفة ، قد تستغل هذه التفاهات وتعود سيرتها الأولى وتلملم شملها وتبدأ في بث أفكارها المشئومة المسمومة ، تبثها مستقطبة الحمية والحماسة الدينية عند بعض الشباب وحتى الشيوخ ويعودون إلى تكفير المجتمع وتبديعه وأنه مجتمع يبث الرذيلة والفحش والفسوق ، “وتعود ريما لعادتها القديمة”، وتزداد رقعة وبؤر الإرهاب الغاشم الأسود.

لذا أقول وأكرر احذروا من هذه الثقافات ، ثقافة التفاهة وضعوا نصب أعينكم وطنكم وبلدكم الذي هو أعلى وأغلى من أي شيئ ، فلن يفيد الندم في شيئ بعد وقوع المحظور ، فلن يجدي مال ولا جاه ولا سلطان في إصلاح ما ستفسده هذه التغاهات ، وطننا الحبيب أغلى من أي شيئ ، الإنسان بما هو كذلك أفضل من كل شيئ.

فلا تجعلوا الرويبضة وتوافه القوم يعبثوا بالقوم.

أختتم حديثي بقوله تعالى (فأما الزبد فيذهب جفاءا ، وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض).

زنوا المسألة بميزان حساس ، ألا وهو ميزان عقولكم واستفتوا بعد ذلك قلوبكم .

*أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب حلوان.

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *