عصر الصحافة الحلوة!

Read Time:3 Minute, 3 Second

(بعد فوات الأوان أكتشفت عصر الصحافة الحلوة!)

في مثل هذه الأيام منذ نصف قرن بالضبط نشرت في أخبار اليوم أول موضوع باسمي عن لعبة الكاراتيه في مصر!

وكنت أيامها في السنة النهائية بالجامعة ولقي موضوعي صدى طيب ، فقد كان جديداً من نوعه ، وصدق أو لا تصدق أخبار اليوم كانت توزع أكثر من مليون نسخة وبالطبع هذا التوزيع الخرافي كان الأول من نوعه في منطقة الشرق الأوسط كلها مع العلم أن عدد سكان مصر في ذلك الوقت كان أربعين مليون نسمة نصفهم لا يقرأ ولا يكتب!

يعني جريدتي ثم أهرام الجمعة كانت مكتسحة للسوق الصحفي وفي قمة تألقها.

وإذا قارنت بين الأمس واليوم تجد أنه لا وجه للمقارنة أبدا .. الماضي يكسب بكل جدارة .. وللأسف الصحافة الورقية أراها مع غيري تلفظ أنفاسها الأخيرة ، والمسألة مسألة وقت فقط!!

والصحافة التي عرفتها وأنجبت العمالقة ستختفي وثورة الإتصالات قضت عليها وأخذت مهمتها ونحن حالياً في مرحلة إنتقال من عصر الصحافة الورقية إلى عصر الصحافة الرقمية والمواقع الصحفية والفضاء المفتوح لكل الأخبار والٱراء.

وعندي الجراءة والشجاعة لأعترف لحضرتك أنني أكتشفت بعد فوات الأوان .. أنني عشت عصر الصحافة الحلوة ولم أكن أدري!!

 

وأشرح ما أعنيه أنه منذ عام ١٩٧٣ بعد حرب أكتوبر مباشرة بدأ عصر جديد للصحافة ورفعت الرقابة عن الصحف .. وشهدت أزدهارا لم يكن موجوداً من قبل أستمر أربعين سنة كاملة حتى عام ٢٠١٣.. وخلال هذه الفترة ظهرت صحف ومجلات من شتى الأنواع ، ولأول مرة تظهر الصحف السياسية مختلفة التوجهات مثل الأحرار والوفد والشعب والأهالي ، وظهرت مجلات إجتماعية لقيت رواجاً واسعاً مثل مجلة كل الناس وكلام الناس وغيرها، وصدرت عن مؤسسة الأهرام إصدارات جديدة لأول مرة مثل نصف الدنيا والأهرام المسائي والعربي والرياضي وصحيفة باللغة الفرنسية وأخرى بالإنجليزية ، ومؤسسة أخبار اليوم هي الأخرى أصدرت العديد من المجلات مثل أخبار الحوادث وقد لقيت رواجاً واسعاً في بدايتها وأخبار النجوم وأخبار الأدب وغيرها وغيرها ، وصدرت العديد من الصحف الخاصة لأول مرة في مصر ، وأتذكر بهذه المناسبة بكل خير “عصام اسماعيل فهمي” صاحب الدستور وصوت الأمة الذي كان وراء إنشاء هذه الصحف!!

وكانت هناك رقابة ، وسعت الدولة إلى فرض سيطرتها على الصحف القوية ولكن كانت هناك صحافة بحق وحقيقي، وانتقادات بشكل واسع من صحف المعارضة خاصة والمطالبة بالتغيير ، وشملت الانتقادات حتى رئيس الجمهورية ذاته .. وكانت مؤسسة الجيش الوحيدة التي لا يجرؤ أحد التعرض لها بالنقد لا من بعيد أو من قريب فهي محل إجماع من مختلف القوى السياسية .. وكنا نحن الصحفيون نشكو من المضايقات التي نتعرض لها والرقابة مع أنه لا وجه للمقارنة للرقابة التي رأيناها بعد ذلك.

وبعد عام ٢٠١٣ شهدت الصحافة تراجع ضخم في توزيعها وطريقة أداءها .. فقد بدأ الفيس بوك بالانتشار بطريقة مذهلة وانتقلت الأخبار إليها .. وبدأت الصحافة تعاني من خسائر مادية كبيرة خاصة مع إرتفاع ثمن الورق فأضطرت إلى تخفيض عدد صفحاتها ورفعت ثمن الجريدة فانصرف الناس عنها .. وتراجعت الإعلانات التي هي عصب الصحافة بشدة، وبهذه المناسبة أتذكر بكل خير “طارق نور” صاحبالإعلانات الشهير، فقد كان نجم هذه المرحلة في مجاله، واستمر تراجع الصحافة .. مع إنخفاض الجنيه والتعويم وعودة الرقابة المشددة على الصحف من جديد بطريقة لم يسبق لها مثيل وكل الأخبار فيها متشابهة حتى أن العديد من الصحف ألغت أقسام التحقيقات بها، فلا فائدة منها لأنه ممنوع توجيه أي انتقاد لأي مسئول على طريقة الأداء في الدولة .. وكله تمام ولا فارق في ذلك بين الصحف الخاصة والحكومية فالجميع خاضع للرقابة التي أزهقت ما تبقى من الصحافة الحرة!!

وجاءت الكورونا ليوجه ضربة قاصمة للصحافة وشهدت مشاكل لا أول لها ولا آخر بسبب تلك المصيبة .. وانخفض من جديد التوزيع بطريقة فظيعة .. وانعكس ذلك كله على أوضاع الصحفيين فالغالبية العظمى منهم تعاني من صعوبات بالغة في حياتهم اليومية ، واضطر العديد من زملائي إلى العمل في أكثر من مكان .. وبعدما كانت الصحافة بمثابة سلطة رابعة أصبحت في القاع!!

وربنا يستر على من يعمل بهذه المهنة حالياً ويكون في عونه ، والصحافة تواجه أخطر وضع لها منذ نشأتها في أواخر القرن التاسع عشر. عجائب!!

بقلم/ محمد عبدالقدوس

كاتب صحفي

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *