انت عندك اكتئاب!
أنور الهواري* يكتب:
١ – ذات مرة ، صديق عزيز ، قال لي على التليفون ؛ أنت عندك اكتئاب ، قالها خطف كدة ، بلا تمهيد قبلها ، وبلا شرح بعدها .
وقعُ الكلمة على روحي كان موقظاً لما كنت أعيشه من طمأنينة قدرية استسلامية ساكتة وساكنة ، خجلت أن أتوقف معه عند الكلمة ، كما خجلت أن أسأله ماذا يعني ؟ أو ما الذي دعاه ليقول ذلك ؟ .
٢ – كنت منتظماً في نومي وأكلي وعملي ، بالذات مقدار ما أقرأ كل يوم وما أكتب كل أسبوع ، كنت في انتظام دقات الساعة نوماً وصحواً وأداء ما يلزمني من واجبات ومهمات .
٣ – لكن كنت زاهداً في كل تواصل انساني إلا للضرورة ،فلا أبادر بكلام مع أحد ، ولا أرحب بكلام أحد معي ، تشرنقت ثم تحصنت في داخل روحي المنهكة مثل قتفذ جبلاوي ، حتى ما أزاوله من رياضة المشي باتت نوعاً من العادة الآلية في توقيتها المعتاد ، تلاشت البهجة الداخلية التي كنت أجدها حتى في غسيل الاطباق والمواعين ، أو في سماع ما أحب من القرآن المجيد ، أو الموسيقى ، توقفت عن قراءة ما أحب من الادب قديمه وجديده ، كنت مجرد آلة تقسو على نفسها بنفسها في صمت وصلابة بل وجمود مشاعر وعواطف .
٤ – حكيت ما حصل ل ابنتي ، قالت لي ؛ كلام عمي فلان صحيح ، أنت من كام سنة ، عندك اكتئاب اسمه اكتئاب الفقد ، ترسب في روحك بعد موت ناس كتير أنت تحبهم ومرتبط عمرك بهم ووجودك مشروط بوجودهم .
٥ – استغربت قول ابنتي أن الحالة معي من عدة سنوات ، لكن لم استغرب التشخيص ، بل زدت عليه من عندي أن فكرة الفقد عموماً هي من شواغل روحي وضميري منذ الطفولة ، وعيت منذ بدأت الوعي أن الحياة كما لو كانت رحلة فقد ، من فقد إلى فقد ، حتى تتساقط كل الأوراق ، ثم تكون حطاماً تذروه الرياح .
٦ – لكن من سنتين مثلاُ ، لقيتني وقوة خفية تلهمني ترديد ” إنا لله وإنا إليه راجعون ” ، ” إن إلى ربك الرجعى ” ، ” إليه مرحعكم ” ، وإليه يُرجع الأمر كله ” ، وما في حكمها وأشباهها من الذكر الحكيم ، ثم لقيت حواري الداخلي مع نفسي يتعمق ويتصالح مع تأقيت الحياة الدنيا في مقابل خلود الروح ، ثم لقيتني أتوسع في ادراك جمال الصبر وحلاوته رغم العسر والمشقة ، ثم لقيتني اسلم نفسي للأصل الذي جاءت منه وسوف تعود إليه ، أسلم نفسي لقوانين الطبيعة غير المصطنعة ، موقناً أن يداً حكيمة رحيمة حانية ودودة لطيفة وراء ذلك كله .
٧ – بقيت أصحو مع الصباح صباحاً ، حتى إذا سكن الليل سكنت روحي وهجعت في سلام عميق ، ثم أحيا مع الصباح من جديد ، أحمد الله ، وأضبط ساعة الروح مع ساعة الطييعة ، أعمل النهار كله ، ثم أسلم روحي وعقلي وضميري لخالق الأكوان في تسليم كامل مطلق ، تسليم من ليس له من الأمر شيء ، إلى من عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو .
٨ – الغم أو الهم أو الاكتئاب أو القلق أو الأسى أو الحزن – تحت أي اسم كان وعلى أي شكل كان – غول يسلب من الحياة عصارتها حتى تجف ثم تنشف ثم تذبل ثم تتلاشى .
( ربنا يكفينا ويكفيكم شر أنفسنا وشر الأيام ، وينجينا وينجيكم من كل كرب وحزن وعسر وضيق ومكروه وسوء ).
*كاتب صحفي

Average Rating