ماذا فعلت بنا يا مارك!
قراءة نقدية في ديوان الشاعر عيد صالح
.. ليس هناك تقدير حقيقي لمبدع ، أفضل من أن نتأمل مسيرته الشعرية ، ولو من زاوية معينة ، وأن نسعى إلى تقييمها تقييما نقديا ، لمعرفة مكانه الصحيح في واقعنا الثقافي ، ولقد كنت مستغرقا في قراءة ديوان ” ماذا فعلت بنا يا مارك ” الصادر في العام 2015 للشاعر / عيد صالح ، والذي أعده من أفضل دواوينه تعبيرا عن تجربته الحداثية العميقة ، وبعد أن بلغ ال 74 عاما ، وله من الدواوين عشرة ، إلا أنه لم ينل حظه ولم يأخذ مكانته الشعرية التي تليق به ، وأزعم أن مشروع عيد صالح الشعري ليس مجرد مشروع شعري فحسب ، ولكنه مشروع فكري ، ويكاد يكون مفهوم الشعر عنده مستمدا أساسا من فلسفة ثنائية العقل والإيمان ، الحس والوجدان ، وبصرف النظر عن تقليدية الثنائية المنظورة ظاهريا إلا أنها شعريا تعتمد على هذه المفارقة ، والتي ليست سوى المعالجة النقدية العقلانية للواقع ، في سياق رؤية الذات الشاعرة له ، أي أنه يطرح رؤاه الشعرية للواقع من خلال الذوق ، وهو الحد الانفعالي للتفاعل مع العالم ، وهو ما يجعل لنصوصه وجودها الخاص ، بحيث تكون قصيدته قادرة على اجتراح ما هو قائم ومستقر ، لا من حيث تجاوزه الشعر التقليدي الموزون إلى النثر ، بل وتجاوز القصيدة النثرية المعروفة بتعاملها مع اليومي والعابر والجزئي للتعبير عن الكلي ، قصيدة عيد صالح قصيدة شعر بلا قواف وأوزان ، لعلها المعادل الموضوعي للواقع ، لعلها الوعي الفني الجديد للشاعر في زماننا ، بعيدا عن التكرار والاستنساخ الذي لا نراه إلا في قصيدة استنفدت طاقتها إلى أقاصيها، بل إن إغراقها في الشكل سابق التجهيز ، قضى على قدرتها التأثيرية في عالمنا المتغير، ولهذا – عيد صالح – يكتب دون أن يفكر في أن قصيدته ستكون حرة أو عمودية أو نثرية ، هذا ليس مهما عنده ، فهو يكتب شكله ، عالمه ، واقعه ، يكتب قصيدته التي يهمه منها أن تملأ القاريء بالمعنى
… لا أجد ما يليق بك
كل الكلام معاد
والمجاز أصبح مطية التجريب والمغامرة
لا شيء حقيقي
والأكاذيب تركب المرسيدس والليموزين
وأنا لست صعلوكا ولا أميرا
لست سيرانو دي برجراك
ولا قيس بن الملّوح
ولا ” صايع بحر” ببالوناته ودباديبه
أنا فقط أردت ان ألفت نظرك
ولو بحركة مجنونة
لن ألقي بنفسي في البحر
لأنني لا أجيد العوم
ربما أقف على رأسي كلاعب يوجا محترف
أو أرتدي قناع أبي الهول
لم يعد مناسبا أن أدفع مبلغا من المال لبضعة أشقياء
ليتحرشوا بك
وأكون المخّلص البطل
أعرف أنني أهذي
وأنني لا أفعل ذلك
لكنني لن أيأس
وسأعثر ذات يوم على ما يليق بك ؟!
هل يمكن أن نقرأ هذا الشعر ، ونحن نعتقد أن شاعرنا يمكن أن يكون منضويا تحت لواء جماعة أدبية ، أو ضمن منبر ثقافي يسمه بطابعه وتكوين شعريته وذائقته ورؤيته للعالم ، أم أن هذه الممارسة الإبداعية والفكرية فقط ابنة صاحبها ، وتنتمي لعصرها ، وهي أيضا نتيجة نزوعات الشاعر وهواجسه وانجازه الفني ، وتعبيره عن ذات شاعرة كسرتها هزائمها المتكررة
… ربما لا أجد الوقت
كي أحكي عما يشغلني
وأنا أقف على شفرة الذات
اقطعني في لذة الألم
وأمضغني على مهل
أنا ابن العذاب وعنوانه
أساق قسرا للبهجة
فتهرب مني في حفل تنكري
وتنفلت إلى بغل يقيء خمرة معتقة
ربما من دم عمال سقطوا في مناجمه
أو ابتلعهم البحر بسفينته المتهالكة
ها هي مطربتي المفضلة
تنشق عنها القصيدة
ربما ثملتُ أنا أيضا
لا مكان للرومانسيات ولا جعجعات المتشدقين
لشعارات الثوار الذين ذابوا في الموجات الأولى
دعك من عبثية اللحظة
فنحن في حفلنا المترع بالخيبات
لا فرسان نبلاء ولا قبعات معلقة في المدخل
ورجل الكاوبوي يبدو كاريكاتوريا
وقد دخل النص بعنجهية هيليودية
قد تكون النهاية مفتوحة
وقد يلتهم الوحش أعضاءه
لكن القطة التي تعثرت بها هذا الصباح
كشرت عن أنيابها مخافة أن أوذي صغارها
أنا الذي تدمع عيناي لسحق نملة
وافرح لهروب صرصار من ضربة طائشة
لست على ما يرام
ولا كل هؤلاء المتنكرين والهاربين
من ذواتهم في قصيدتي البائسة !
! هذا الشعر يخضع بصورة أو بأخرى لتحولات الواقع ، بعيدا عن الشتات الإبداعي وتشظيه ، بعيدا عن الأشكال الشعرية المقهورة بحدودها ، والمتحررة قهرا من تقلباتها الفنية المضطربة ، والتي جرفها فيضان التحرر من أي لحمة جماعية تجمع ما تناثر في كل الجهات العاصفة ، وهكذا الشعر عند عيد صالح مشروع فكري وإنساني ، ورؤية خاصة تنزع إلى قراءة التقلبات الثقافية ، في مناخ أقرب إلى العداء لأي ثقافة حقيقية ، وهو ما سنتعرف عليه عن طريق عدة قراءات نقدية ، أعد قراءتها متعة من متع الحياة ، فاكتشافي للناقد المبدع كاكتشافي لكنز مخبوء ، وفي ذات اللحظة لا أحب النقاد الذين يحصرون نقدهم في حدود ضيقة وآفاق معلومة ونظريات ثابتة ، ويتفننون في علمية لا ذوق فيها ، كأن يتحول النص عندهم إلى رموز وعلامات وأرقام وجداول ، هذا المنهج الإحصائي يبتعد عن الصياغة الأدبية الجميلة ، والناقد من هذا النوع لا يترك مجالا لذاته ، أما الناقد الحقيقي فهو الذي تشعر وأنت تقرأ له بأن أسلوبه حول العمل المنقود لا محالة منه ، وإنه الأسلوب الوحيد الذي يوافق أفكار الكاتب وعواطفه ، إن انشغال النقاد بالنظريات لدراسة الآداب والفنون مسألة في غاية التعقيد ، لأن القصيدة مثلا من خواصها الحرية والاكتفاء بما فيها من عناصر فنية مهمتها الأساسية الخلق والحرية والفردية ، فالقاريء للقصيدة مثلا يصبح جزءا منها ، بل إنه يخرجها من حيز القوانين والنظريات ويعطيها حرية من نفسه ، وفي لحظة ارتباك معينة ، يبقى النقد رغم ما يمر به من أزمات ، هو القادر على فك الإشكاليات التي باتت تتناسل باستمرار في عالم الإبداع ، خصوصا إذا واجه النقد نصوصا لا تنضوي تحت مسمى ما ، إذ أصبحت تسمية ” قصيدة النثر ” تسمية غير قادرة على تحمّل راهن الشعر بإشكالياته المتشعبة والمدوّخة في آن ، الكتابة الشعرية الآن انتفاضة فوق شعرية ، أفق آخر مختلف في رؤاه ، وطرائق تعبيره المتعددة ، محاولة كبرى لتحرير الشعر من كوابحه ، وقيوده ، وتابوهاته ، وهمومه بالغة التعقيد ، وصراعاته الأيدلوجية ، وجسدانيته التقليدية التي أشرفت على الانطفاء ، لذا فإن النقد باعتباره أهم جزء في حركة الحياة والإبداع المعيش ، لم يعد مجرد أذن تتلقى الغناء ، ولم يعد مجرد كهف أو واد للهيام ، ننتظر خروج الشاعر منه في خيلاء وكبرياء كاذب ، على نحو ما كان يحدث في العصر – الجاهلي – الذي لم نتحرر منه حتى الآن ، ومن العبث أيضا القول بأن النقد العربي – راهناً – وصل إلى منطقة القدرة والوعي – النظرية – ولكنه على الأقل يحاول أن يلاحق التجارب المتغيرة ، والرؤى الجديدة ، والتمييز بين الأشكال المتعددة في هذا الضباب الكثيف ، الشيء الأهم في محاولتنا الخطرة هذه ونحن نحاول أن نقرأ النصوص النقدية التي مارست نقدها لديوان ” ماذا فعلت بنا يا مارك ” وهو الديوان المهم الذي يبيّن لنا البصمة المميزة للشاعر د/ عيد صالح ، خاصة وأن قصائد الديوان لا افتعال فيها ، ولم تلعب على المجازات المكررة ، ولا المجانية التي لا تجربة خلفها ، هناك شحنات شعرية هائلة ، دالة على أنها صادرة عن ذات واحدة ،
تلك الغجرية التي طفت بها القرى
وطوّفت معها الموالد والأفراح
وشربت ماء الترع والمصارف
حتى توطنت البلهاريسيا
وأخذت جرعات الإنترفيرون القاتلة
أنا الذي جندلت بجسدي النحيل
كل المتحلقين حولها
وقدمت أوراق القبول
من سعوط قلبي وحناء روحي
صحيح .. لم أقطع أذني كفان جوخ
ولم أخلع ملابسي كهوجو
ولم أعد مصابيح باريس كزولا
أنا الذي أغلقت النوافذ ،
وأعددت سجائري وأقلامي ودفاتري
والآن حاسوبي القديم
أيتها السادية المتغطرسة
ليس لديّ زمرد ولا ماس
بعد أن أصابتني لعنتك
وضربت في متاهتك
معرجا على كل من عاصروك ،
واحترفوا بلهيبك
أنا الذي أهفو إليك
كماسوكي يستعذب الألم
لا من يعقد قراني عليك
لا شيخ معمم ، لا شهود إثبات
غير قلبي الذي غيرّ شرايينه
واكتوى ببنات حواء
أيتها الحسناء
فقط
مجرد نص
يصطليني
وأصطليه !
هذه القوة والفاعلية والبديهية التي أحدثت الدهشة ، هي موجز القصيدة وجوهر الشعر ، وهنا يأتي السؤال كيف يقيس النقاد هذا الشعر ؟! هذا الشعر الذي يبدو وكأنه – عادي ومألوف – كيف لهذه الكلمات المصفوصة بطريقة معينة وترتيب مقصود أن تُحدث هذا الرنين الشعري الذي يجعل الناقد يتوقف طويلا ليقول كلمته ، فالناقد الذي ينسلخ من ذاته ، ولا يجعل ما ينقده قضية مركزية في نفسه ، يدور حولها ويصب فيها كل تجاربه وثقافته ، كما فعل المبدع الذي جعل من إبداعه قضية مركزية في عمق وجوده الإنساني ، ناقد ناقص الأهلية .
بقلم/ محمد الدسوقى
ناقد

Average Rating