اعتذار إلى الله
(القاهرة – 1968)
تحت هذا العنوان المثير، والجريء، والغريب، ظهر – يوم 6 يناير – من ذلك العام – مقالاَ على صفحات صحيفة (أخبار اليوم ) كان قد طلبه إحسان عبد القدوس من محمود عوض عن الشيخ أحمد حسن الباقوري… وقد كان!
•••
(مصر الجديدة – ذات مساء)
فى الطريق إلى منزل الباقورى سأل محمود عوض زميله المصور:
” تقدر تعمل صورة كبيرة للشيخ”؟!
– “أقدر.. عايزها كام”؟
– “خمسة أعمدة أو ستة مثلاَ؟
– سهلة…اعتبرها اتعملت”؟
•••
( المنزل – بعد 20 دقيقة)
بعد الترحيب، والشاى، والقهوة، والتصوير غادر المصور عائداَ للصحيفة حتى يستطيع تجهيز الصور فى الموعد المطلوب.. وأكمل محمود عوض حديثه..الذى سأل فيه الشيخ – ضمن ما سأل – عن متعته فى الحياة؟
رد قائلاً:” القراءة، والموسيقي – خاصة الموسيقة الهندية والصينية – والتمثيل طبعاَ – وأنا معجب بتمثيل سميحة أيوب – ومسرحيات نجيب الريحانى.”!
– والحب يا مولانا؟
– الحب. آه ؟..شوف يا أخ محمود:”إن الأساس الأصيل للحب هو تقارب وجهات النظر بين الرجل والمرأة، والمرأة لا يعجبها مطلقاَ الرجل المخنث.. والحب بعد الزواج أقوى وأخلد من الحب قبل الزواج.. والحب الموفق عنصر من عناصر السعادة.
– إذن وما هى السعادة؟
– “السعادة هى نفس مطمئنة راضية.
– ممكن توضيح أكثر؟
– ممكن:”المعنى الحقيقي للسعادة – فى رأيي – هو “لقمة عيش تسد الجوعة.. وثوب يقيك حر الصيف وبرد الشتاء..وزوجة تسكن إليها وتسكن إليك”!
– وباقي متع الحياة؟
– مجرد” كماليات قد تكون جناية عليك بأكثر مما تكون سعادة لك”!
•••
(المنزل – بعد 40 دقيقة )
قبل دقائق عاد المصور مرة أخري:
– خير؟!
– لا.. بس وأنا فى الطريق قلقت تكون الصور مش حلوة…ممكن صورة تانية يا مولانا لو تسمح؟
– ” اسمح قوى..اتفضل”!
– السلام عليكم…ألحق بقي تحميض الصور!
ثم عاد محمود عوض يسأل:
” الدين فى حياة أولادك؟
– رد الشيخ:” لى بناتاَ ثلاثاَ.. إنهن طبعاَ يؤدين الصيام دائماَ..
– والصلاة؟!
“الصلاة.. آه..إنهن كشأن معظم الناس دائماً.. لا يتذكرنها إلا وقت الشدة.. وهو أمر يؤسفني”!
ثم أكمل قائلاً:” لقد هزمنى هذا العصر أحياناً فى تربية أولادى وهزمته أحياناً”! ثم سكت الشيخ قليلاً وقال:
ممكن أضيف حاجة فى موضوع الحب يا أخ محمود؟
– آه..طبعاَ…اتفضل!
– “الحب يزيد عن الإعجاب…والحب يخاطب فى الطرف الآخر رقته، وذوقه، وأخلاقه”! هو ده الحب الحقيقي!
•••
( أخبار اليوم – بعد أسبوع)
فى صالة التحرير اجتمع إحسان عبد القدوس بالسادة مديري التحرير ومعهم محمود عوض :
– “ما رأيكم فى هذه الصفحة الجديدة”؟ وقبل أن يرد أحد منهم قال:”أنا قررت تكون باباً ثابتاً بعنوان (تحليل شخصيات) أو من باب الاختصار – نسميها (شخصيات) ثم نظر إلى محمود عوض وهو يبتسم:
“محمود..الصفحة دى عهدتك من النهاردة”.
– طيب ممكن اعتذر؟
– لا…مفيش…اعتذار..أنا أقول..و”أنت تكتب..وأنا أنشر”!
وظل محمود عوض يكتبها أسبوعياً فى هذه الفترة حتى خرجت عليه – صراصير المطبخ الصحفي – ولكل مطبخ صراصير بطبيعة الحال – حسب وصفه – فترك الصفحة، وترك أخبار اليوم – أو هى التى تركته – حتى مات!
حدث ذلك دون أن تقدم له – أى أخبار اليوم – رغم ما قدمه لها – وللصحافة المصرية والعربية – أي اعتذر!
بقلم / خيري حسن
كاتب صحفي
——————
• الأحداث حقيقية – والسيناريو من خيال الكاتب.
• فى مثل هذا اليوم عام( 2009) رحل محمود عوض.
المصادر:
– كتاب شخصيات – محمود عوض – دار المعارف – 2009.
– كتاب “الباقورى..ثائر تحت العمامة” – نعم الباز – طبعة مكتبة الأسرة – 2000

Average Rating