عندما تحكم “القطط السيامى”!!
فى أول أغسطس عام 1961 كتب “جمال عبد الناصر” رسالة إلى الرئيس الأمريكى “جون كيندى” ردا على خطاب كان قد بعث به إليه.. وجاء فى الرسالة: “أقول لكم أن موقفنا من إسرائيل ليس عقدة مشحونة بالعواطف.. لكنه موقف من عدوان تم فى الماضى.. وأخطار تتحرك فى الحاضر.. ومستقبل غامض محفوف بأسباب التوتر والقلق, ومعرض للانفجار فى أى وقت”!! ونص الرسالة منشور ضمن كتاب “سنوات الغليان” للأستاذ “محمد حسنين هيكل”.. وفى الرسالة ذاتها أوضح “عبد الناصر” أن: “العرب خلال حرب 1948 أحسنوا الظن بالأمم المتحدة.. تصوروها قوة قادرة على فرض العدل.. خصوصا إذا كان العدل أساسا هو كلمتها وقرارها.. لقد ظن العرب أن الجانب الإسرائيلى ستتم معاقبته على خرقه الهدنة الدولية.. ومن سوء الحظ أننا عوقبنا فيما بعد على نظرتنا إلى الأمم المتحدة, لأنها كانت نظرة مثالية”!!
دارت عجلات الزمن.. وقعت هزيمة 5 يونيو 1967, والتى أكدت انتصارات اكتوبر عام 1973 أنها كانت مجرد نكسة!!
جاءت ضربة 7 اكتوبر 2023 من جانب المقاومة.. كانت ساحقة.. حاسمة.. سريعة.. شديدة الدقة.. متفردة فى كل تفاصيلها, بغض النظر عن رؤية “المهزومون فى عقولهم” لها.. أخذت الصاعقة “واشنطن والذين معها” وأصيب كيانهم الوهمى بلوثة وجنون واضحين.. إعتبر قادة الكيان أن ما تعرضوا له مجرد “نكسة”, وتحرك ما يسمونه “المجتمع الدولى”.. الدول التى تدور فى الفلك الأمريكى.. ليمارس الخدعة نفسها عبر الأمم المتحدة العاجزة عن إيقاف ماكينات القتل والتدمير المجنونة!!
تحفظ ذاكرة الخارجية المصرية, وثيقة عبارة عن تقرير كتبه “محمد القونى” سفير مصر فى واشنطن – آنذاك – جاء فيه أن الرئيس الأمريكى “ليندون جونسون” دعا عدد من السفراء العرب بعد نكسة يونيو 1967, للقاء فى مقر الخارجية.. إعتقد السفراء أن الرئيس الأمريكى طلبهم للاستماع إليهم.. فوجىء الحضور بأن “جونسون” يدخل عليهم ممسكا بيده وثاق كلبه وكان اسمه “بيجل” وبمجرد أن جلس.. راح يوجه كلامه للكلب قائلا: “إسمع يا بيجل.. حكاية رجل شرير, إشتبك مع جاره الطيب يا بيجل.. فوجئ الأشرار بأن الطيب استجمع قواه.. لكم جاره الشرير لكمة قوية طرحته أرضا.. له حق يا بيجل.. أليس كذلك؟!.. لماذا يحق للأشرار أن يشتكو, إيه رأيك يا بيجل؟!”.. وانصرف الرئيس الأمريكى تاركا السفراء العرب فى ذهول!!
كانت رؤية “عبد الناصر” قبل أكثر من ستين عاما أن إسرائيل عدوان فى الماضى.. وأخطار تتحرك فى الحاضر.. ومستقبل غامض معرض للانفجار فى أى وقت!!
كانت رؤية الرئيس الأمريكى – جونسون – لإسرائيل أنها الطيب الذى لكم الأشرار لكمة قوية, طرحتهم أرضا!!
ذهب “السادات” إلى ما اعتقده السلام.. قاطعه العرب وشكلوا جبهة الرفض, حتى سقط “رجل السلام المصرى” برصاص “الجماعة الإسلامية”.. ثم سقط “رجل السلام الإسرائيلى” واسمه “إسحاق رابين” برصاص “الجماعة الصهيونية”.. وحكم “الكيان” مجموعة من المغامرين.. إنقلب الأشرار إلى “قطط سيامى”.. راحوا يقاتلون لأجل “التطبيع” وسلموا أمرهم لساكن “البيت الأبيض” واحد بعد الآخر.. ثم قبلوا أن يتسلمهم “حاكم تل أبيب” لدرجة أن بعضهم نافقه بتعلم اللغة العبرية.. وراهن عليه آخرون من الذين يؤمنون بأن “الترفيه هو الحل”.. وبقيت المقاومة تضم السنة مع الشيعة إلى جانب مسيحيين ويهود.. ولما كان يوم 7 اكتوبر 2023, فوجئ “بيجل” أن الطيبين هم الأشرار.. وأن الأشرار يشهد لهم أسراهم, كما تحدثت تلك السيدة العجوز بضمير أضاف إلى “نتنياهو” جنونا على “لوثته” فراح يهدم المزيد من البيوت.. يقتل المزيد من الأطفال والنساء.. يدعمه “بايدن” الذى يدير غرفة الحرب على العرب أجمعين وليس على المقاومة فقط.. تقاطر “دراويش واشنطن” من حكام دول أوروبا على “الكيان” معلنين الدعم والتضامن بداية من مستشار المانيا.. مرورا بحفيد “بلفور”.. وليس انتهاء بالجالس على مقعد “ديجول”.. بينما شعوبهم تنادى فى الشوارع “الحرية لفلسطين” مع كل شعوب الدنيا التى استفاقت!!
حجم التدمير والخراب والقتل الذى تتعرض له “غزة” و”الضفة الغربية” يفوق الخيال ويتجاوز القدرة على الوصف.. ومساحة “وقاحة الصهاينة العرب” لا يحتملها عقل وتفوق ما جاء فى الأساطير.. ربما لأن “السفالة” أصبحت مدعاة للفخر!!
يخطئ من يعتقد أن “ماكينات القتل والتدمير” تستهدف “المقاومة” وشعب الجبارين فى فلسطين.. ويخطئ من يعتقد أن “واشنطن والذين معها” يمكنهم تجاوز طبختهم المسمومة.. فإذا كانت “القطط السيامى الحاكمة” تخدعنا بالرهان على الأمم المتحدة.. فهذه لعبة من مخلفات قرن انتهى.. وإذا كان المغامرين الذين يحكمون “الكيان” يتصورون أنهم يستطيعون النجاة من الغرق.. أستطيع أن أنصحهم بسؤال “كلب بايدن” لعله يشرح لهم ما حدث.. وما يحدث.. فضلا عما سيحدث!!
أعرف أن “للحرية الحمراء باب.. بكل يد مضرجة تدق” كما قال أمير الشعراء “أحمد شوقى”.. لكنهم لا يعلمون.. وأعلم أن “من لم يحبب صعود الجبال.. يعش أبد الدهر بين الحفر” كما قال “أو القاسم الشابى”.. ويعجبنى “أمل دنقل” الذى نصحنا “لا تصالح ولو منحوك الذهب”.. وثقتى بلا حدود فى “نزار قبانى” الذى كتب “أصبح الآن عندى بندقية” وصدحت بها “أم كلثوم” مع “عبد الوهاب”.. رغم أننى ألتمس الأعذار لأصحاب القلوب الرقيقة.. لكننى أنصحهم أن يشاهدوا بالصوت والصورة, هذا الرجل الفلسطينى الذى فقد زوجته وأولاده كلهم فذهب يوزع الحلوى على أهل غزة.. أرجوهم مشاهدة الطفلة التى لا تخاف أساطيل “واشنطن والذين معها” ولا تهزمها جرائم “الكيان” لأن “المقاومة” تحميها وتكفيها!!
أعلم أن “القطط السيامى” وخيارهم “الاستراتيجى” هو طوق نجاتهم.. لكننى أرى أن العالم قبل 7 اكتوبر 2023, غير العالم بعد هذا التاريخ.. كما أعرف أن كثيرين يتهافتون على حجز التذاكر إلى “مزبلة التاريخ” والأيام بيننا!! لأن الأمة العربية التى قدمت “هوارى بومدين” قادرة على أن تنجب أمثاله.. أتذكره حين سافر إلى “موسكو” بعد “نكسة 1967” لطلب السلاح لمصر.. والتقى زعماء الاتحاد السوفيتى, وكان غضبه عارما عندما سمع من “بريجينيف” قوله: “حاولنا أن نستجيب لطلباتكم, وقدمنا لكم السلاح بأسعار مريحة.. لكنكم لم تسددوا حتى ربع تكاليف ما حصلتم عليه”!.. وهنا كان رد “بومدين” حاسما كما “المقاومة” حاليا.. قال له: “كنت جاهزا لأن أسمع هذا الكلام.. لذلك طلبت من وزير المالية الجزائرى تجهيز شيكا بمبلغ مائة مليون دولار لصالح وزارة الدفاع السوفيتية”.. وأخرج الشيك من جيبه ليضعه أمام القادة السوفيت.. هنا شعر “كوسيجن” بالخجل فقال له: “لسنا تجار سلاح حتى تعاملنا بالشيكات”.. وطلب رفع الاجتماع حتى تهدأ الأجواء!!
ثم نتابع الآن “سمو الشيخ” محمد بن زايد الذى سمح لإحدى وزيرات حكومته بأن تصف فعل المقاومة بأنه “بربرية ووحشية”.. ويتباهى سفيره فى “تل أبيب” بالتحدث بالعبرية, ويعلن بعدها عن تقديم 20 مليون دولار – ما يوازى نفقات حفة عشاء – دعما لأهل غزة!!
بقلم/ نصر القفاص
كاتب صحفي
الآراء الواردة لا تعبر بالضروره عن راي الموقع

Average Rating