(1)
الإعلامي “الكبير” تامر أمين خرج علينا بالنص التالي:
“قولوا لي إيه في المواد الأدبية مفيد هذه الأيام؟
التاريخ 3 سنوات.. بلاش شعارات وخلونا في اللي بيأكل عيش ويجيب تقدم.. يدرس جغرافيا ليه.. فلسفة ومنطق هيعمل بيهم إيه.. آخره يبقى مدرس”
شعارات؟؟
(2)
حقه، ودي وجهة نظره الشخصية جداً، ودي رؤيته لبناء الإنسان/المواطن المصري في مصر المستقبل اللي بيحلم بيها، وشايفها ف خياله متجسدة بمواطن ما يعرفش تاريخ ولا جغرافيا ولا فلسفة ولا منطق.. حرفي/مهني/دكتور/مهندس/محامي مخوخ من جوا، ما يعرفش غير المهنة اللي بيمتهنها، ومعلوماته عن بقية الحاجات صفر، لإنه ببساطة “مش محتاجها” على حد تعبير الأستاذ تامر أمين.
(3)
بس هو يمكن علشان الأستاذ تامر أمين كان غايب ف حصة المنطق ما قدرش يربط ما بين احتياج الإنسان/المواطن للمعرفة والعلوم، وما بين إنتاجية هذا الإنسان في المجتمع. ما قدرش يربط مش بس ما بين استيعاب التلاميذ لقواعد الفلسفة والمنطق والجغرافيا والتاريخ ومعاهم الآداب والفنون بما في ذلك المسرح والفنون التشكيلية والموسيقى، وفوقيهم طبعاً، وقبليهم كمان التربية البدنية (مش كرة القدم، إنما التربية البدنية بمعناها الواسع)، إنما ما بين الفلسفة والمنطق والتاريخ والجغرافيا وما بين الإنسان المنتج، والفرق بينه وبين الإنسان الطفيلي.
أيوه أيوه يا أستاذ تامر، أنا شايف الإنسان، وأتصور إني مش لوحدي ف ده، الإنسان مش المصري، الإنسان في كل حتة في العالم، في مكان تاني وعلى هيئة تانية غير ما حضرتك شايفه. وشايف إن الإنسان الطفيلي اللي بقينا بنخرجه للعالم في العقود التلاتة الأخيرة، إنسان في الأغلب غير قادر على استيعاب أهمية الإنتاج، وعايش اليوم بيومه، وعاجز عن إنه يلاقي دوره في الحياة، وبالتالي دوره في بناء الأمة والوطن.
(4)
طيب الإنسان محتاج التاريخ ف إيه؟
أقول لك.. علشان ما نخترعش العجلة كل مرة، علشان ما نقعش ف أخطاء السابقين، علشان نعرف مكاننا، ومكان أمتنا، ومكان بلدنا، مش الجغرافي، إنما التاريخي.. الجغرافي ده الجغرافيا.. طيب حضرتك هتعرف تروح من نقطة ألف لنقطة باء إزاي من غير ما تعرف إن مصر الجديدة ومدينة نصر شرق نهر النيل والجيزة غرب النهر، هتعرف إزاي تفكر في مشكلة إثيوبيا وسد النهضة إزاي من غير ما تعرف إن النيل بيجري من الجنوب للشمال، وإن منبعه جنوب القارة الإفريقية اللي بتمثل مستقبل العالم أساساً..
بنتعلم فلسفة مش علشان نتفلسف، ولا علشان نحفظ، إنما علشان عقلنا يربط الحاجات والظواهر والمشاهد والماضي والحاضر ببعض، علشان المكنة/العضلة اللي اسمها “المخ” تتحرك وتتفاعل وتربط العلوم بالمعارف بالخبرة الحياتية بساندوتش الطعمية وتفكر في الوجود حضرتك يا أستاذ تامر.
بنتعلم آداب وفنون علشان نفتّح خيالنا لآفاق واسعة وبعيدة ونطير لفوق وننتصر على الجاذبية الأرضية اللي دايماً بتشدّنا لتحت نحو القاع، زي ما حضرتك بتعمل بالضبط..
بنتعلم موسيقى وتربية بدنية علشان ننشط التنسيق العضلي العصبي، وعلشان نقدر نتخيل الموسيقى والحركة مكتوبة ومرسومة، ونحول المقروء من النص الموسيقي لمسموع ولحركة، والحركة والمسموع لمقروء ومرسوم، ونتعلم لغات جديدة.
والكلام ده مش علشان نطلع استغفر الله العظيم لا قدر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله بيانيستات ولا رياضيين محترفين لا مؤاخذة، ولا علشان نشتغل مزيكاتية في أوركسترا القاهرة السيمفوني لا سمح الله ولا نكسب في الأولمبياد، إنما علشان نعرف نسوق العربية كويس، ونعرف ندوس على الدبرياج إمتى بالتنسيق مع الفتيس، ونقدر المسافة ما بيننا وما بين اللي قدامنا علشان ما نخيشش، وعلشان نتعلم الثقافة السمعية وما ندوسش على الكلكس عمال على بطال وعلشان نتكلم بصوت واطي وعلشان نتعلم آداب الحديث والمناقشة والمداخلة وأسس التفكير المنطقي.
علشان نعرف نفلح الأرض، ونبقى صنايعية شطار، ونبقى دكاترة مهرة، ومحامين ملمّين بالحياة بصفة عامة، ومهندسين فاهمين البعد الاجتماعي والاقتصادي والمناخي للمنشأ اللي بنصممه..
(5)
الوصفة اللي بيحلم بيها الإعلامي تامر أمين هي في الأغلب وصفة الإنسان الطفيلي.. بتاع “اللي تكسب به العب به”، و”من دقنه وافتل له”.. اللي هي وصلتنا لإننا بنفتح معارض عربيات وصيدليات وسوبرماركت وكافيهات على كل ناصية، ونتفنن في الأسماء والديكورات وأسماء المشروبات والمأكولات في المينيو.. بدل ما نبتكر ونصمم ونفتح مصانع ومعامل ونحرث أراضي ونصطاد ونطلع من بطن الأرض كنوزها المدفونة.
ما هي دي (الكافيهات والمطاعم ومعارض العربيات) الحاجات اللي “بتأكل عيش” على رأي الأستاذ تامر أمين، وعنده حق طبعاً، لكن مش دي الحاجات اللي بتبني الإنسان ولا الأمة.. دي الحاجات تحديداً اللي بتدفن الأمة.. لما الأمة تتحول لطابور من الطفيليين اللي عايشين على قفا بعض، وبيمصوا دم بعض، وعايشين عالة على حضارات ودول أخرى.
(6)
وبعدين حد يا راجل يقول “آخره يبقى مدرس”؟
ده دي أصلا كلمة يعاقب عليها القانون.. وما له المدرس يا أستاذ تامر؟ ده احنا مشكلتنا الأساسية في البلد هي قيمة المدرس اللي مش عاجبك. وفي اليوم اللي هيتصرف فيه على هذا المدرس، بحيث إنه يبقى أهم من بقية المهن، ولما تبقى كلية التربية أهم كلية، ساعتها بس مصر تحط رجليها على أول الطريق.
يا راجل ده انت لغتك العربية المنمقة وصوتك الرخيم الحلو ده وشكلك الوسيم اللي بتعمل منه ملايين، اللهم زيد وبارك يعني وحصوة ف عين اللي ما يصلي على حضرة جلال النبي، كلها حاجات مليانة فلسفة ومنطق وتاريخ وجغرافيا، وشكلك قريت كلمتين تلاتة، خمستاشر ستاشر كتاب يعني.. ليه عايز تمنع عن الطلبة وزملاتك المواطنين حاجات إنت ربنا أنعم عليك بيها، صحيح ما أثرتش فيك وطلعت تبخ الكلمتين الخايبين دول، بس ولو، مأثرة فيك أهوه وشكلك من برا طالع شبه “المثقفين” يعني.. ليه الأذى ده يا أخي؟
تصوّر كمان بقى حضرتك لو ما كنتش قريت الكلمتين بتوع الفلسفة والمنطق والتاريخ والجغرافيا بتوع إعدادي ولا ثانوي.. كان شكلك هيبقى عامل إزاي؟
ده كلام يا راجل؟
بقلم / محمد صالح
ممثل ومخرج














Leave a Reply