نور الشريف الشجاع .. يودعنا !
ما أصعب أن تجلس لتكتب رثاء ، تضغط على الكلمات لكى تحولها إلى صندوق يحمل جسد الأحباب وهم يرحلون ، ما أصعب أن تتجاهل دموعك التى تملأ عينيك لكى ترى الورق الذى تكتب عليه كلمات فى وداع عزيز يغيب ، ما أصعب أن تتذكر كل الأشياء الجميلة التى تكونت عبر سنوات طويلة ثم يكون عليك أن تحتمى باللحظة لكى يكون لديك فائض من الكلمات التى تختصر كل محبتك لشخص لن تجلس إلى طاولته مرة أخرى وتتكلم معه .
اللحظات التى تشبه تلك اللحظة زادت بإيقاع لم أكن أنتظره ، كل فترة قصيرة أحمل عزيز إلى مثواه الأخيرة ، وأكون هنا على الصفحة الأخيرة محتفظا بمقال أخير عنه .
رحل الفنان الكبير نور الشريف ، كان هو أول من ينتظر الرحلة الأخيرة بشجاعة لا توصف ، كان يعرف أن المسافة إلى الرحيل لم تعد إلا مرمى حجر يساوى حجم قوته التى أصبحت مثل ورقة شجر خفيفة .
كان هو الأكثر إقترابا من حديث الموت ، لا يخافه ولا يخشاه ، لا يؤجله ولا يتشائم منه ، مبهورا بفكرة عالم جديد يقترب منه ، كان يستعد له بالمزيد من القراءة عنه ، فى فترة مرضه الأخيرة المخيفة ، كانت الإبتسامة لا تفارقه ، والجدية لا تبتعد عنه ، يبحث عن كتب جديدة يقتنيها ، طلب منى منذ أسابيع قليلة أن أوفر له عددا من الروايات كتبها بالإسم فى ورقة ، هذه الروايات تصل عدد صفحاتها مجتمعة إلى أكثر من عشرة آلاف صفحة ، بما يعنى أنها تحتاج لكى تقرأ على الأقل إلى سنة ، بطريقة نور الشريف فى قراءة أكثر من كتاب فى وقت واحد ، كان سعيدا أننى قدمت له هذه المجموعة كاملة ، وقدم لى ورقة بأسماء كتب أخرى ، المزيد لكى يستعد لرحلة طويلة ، كان همه فى الحياة بطولها أن يعرف وأن يفهم وأن تكون لديه وجهة نظر يحترم بها نفسه .
نور الشريف رجل الثمانينات الذى منذ عرف عالم عاطف الطيب ومحمد خان وبشير الديك وهو مشغول بأن يعيد ميلاده الفنى مرة أخرى من حيث فهم ونضج وعبر إلى مكان أخر أكثر قدرة فيه على القبول وعلى الرفض .
منذ الثمانينات ، نور الشريف يلعب دورا فى منتهى الأهمية فى الدفاع عن الهوية المصرية بقدر مايستطيع ، لم ينتبه أحد تقريبا أن نور الممثل المنتج المخرج أيضا صنع أعمالا فى مواجهة نوبة غربة وهبوط وتهميش ، صنعها ولم يقل سرها ، لكنها كانت حائط صد صغير محترم ضد كل ماهو محبط وردئ ومدبر ضد هويتنا .
دفع نور الشريف ثمن ذلك كثيرا ، ماديا وأدبيا ، حتى سمعته لم تسلم من تجريح بسبب وقوفه ضد سينما البترول والتراب ومسلسلات تحمل فكرا يسعى لإلتهام الفكر والفكرة المصرية .
نور الشريف ، قامة كالعادة لم تنل التكريم الكاف من بلده ، كما لم تقف الدولة مع جهوده فى إنتاج سينمائى وتليفزيونى أكثر قدرة على إحترام الهوية المصرية .
نور الشريف كان دائما على إستعداد ليقف فى الظل ليقدم للنور ممثلين ومخرجين ومؤلفين ومنتجين وإنتاج مصرى عظيم .
نور الشريف هنا ، لن يتكرر ، أقول لن يتكرر ، ولا أنا هنا أمام وداع فنان قدير فقط ، إنما فنان ظل حتى اللحظة الأخيرة فاعل فى الرأى والمهرجانات ، يقف ليقول كلمته مهما كان رد فعلها . لم يهرب مرة من الميدان ، لم يجامل ، لم ينافق ، لم يفعل إلا ما أحب أن يفعله فقط ، لم يذهب إلى فرح بحثا عن صورة ولا إلى عزاء بحثا عن خبر ولا إلى مناسبة بحثا عن مكسب . فعل مايرضى عنه نور الشريف وفقط .
مدرسة نور الشريف لن تتكرر ، غير مسبوقة ، لأنه لم يكن مجرد ممثل ، كان صانع دراما محترف .
فى المرة الأخيرة التى رأيته فيها ، منذ أسابيع قليلة ، كنت أعرف كما غيرى أن الموت قريبا جدا من هذا الوجه الشاحب للغاية الذى بلغه ، لكن ذو الوجه الشاحب كان مازال يمتلك صوتا دافقا جهورا يتكلم به بحماس عن أفكاره ، وعن الموت المنتظر والمؤجل لبعض الوقت .
لقد عاد نور الشريف من رحلته العلاجية الأخيرة بناء على معلومات طبية تؤكد أن الأمر مجرد أياما .. وهو فكر أن يعيش عمر جديد فى هذه الأيام ، تصور أن يولد إنسان مرة أخرى من رحم أيامه الأخيرة ، إحتفل بزواج إبنته وخرج للإحتفال بعيد ميلاده وغنى ورقص وتكلم وأحب حب عمره من جديد ، السيدة بوسى ، ودافع بحماس عن أفكاره فى السياسة وفى الفن ، وصور فيلما أخيرا ببراءة طفل .
نور الشريف حالة تدرس وحال أتمنى يوما أن أمتلك تلك الشجاعة التى عاش ورحل وبقى وسيظل بها .
أظنك ياصديقى مرحوما إن شاء الله بعلمك وثقافتك ونبل أخلاقاك ووطنيتك وحبك لبلدك وصلاتك ودعواتك وقلبك الطيب .
بقلم/ يسري الفخراني
كاتب وناقد

Average Rating