هل جلب طوفان الأقصى النصر لروسيا؟!

Read Time:3 Minute, 57 Second

فيما يشبه المصادفة، بدأت فور تصفية غزة – أرضا وشعبا- خطوات عملية بين الرئيسين الأمريكي والروسي لوقف إطلاق النار في أوكرانيا تمهيدا لعملية سلام وجلوس الروس والأوكران على طاولة تفاوض لإنهاء الحرب.

المصادفة تقول إن أوضاع الحرب قبل السابع من أكتوبر لم تعد مثلما كانت عليه بعدها.

بالتأكيد، نحن في حاجة إلى التمهل قبل التأكد من أن ما حدث مجرد مصادفات تاريخية ام صفقات مرتبة. وحتى يتحقق ذلك ليس في أيدينا إلا تسجيل 10 ملاحظات:

1- أن روسيا خرجت خروجا تاما من المشرق العربي بعد أن ساهم حلفاؤها المحليين في إشعال حرب راحوا هم أنفسهم ضحيتها: إيران – سوريا الأسد – حماس – حزب الله- الحوثيين.

كثير من علماء الجغرافيا السياسية في شكوك من أمرهم، مما إذا كانت هذه الأطراف قد خاضت الحرب وهي على وعي بأنه سيتم التضحية بها في النهاية، أم أنها كانت تظن أن النصر قريب، وأنها ستغير على الأقل من قواعد اللعبة في الشرق الأوسط.

النتيجة الواضحة من دون شكوك أن كل هذه الأطراف أحرقت نفسها بعد أن شاغبت وشاغلت وأرهقت الطرف المعادي لروسيا.

2- تزامنت أحداث السابع من أكتوبر 2023 مع الربع الأخير لفترة بايدن الرئاسية بحيث جاء طوفان الأقصى ليشكل جبهة حرب جديدة جعلت شعارات ترامب الربحية والمالية ومنهجه بتوفير الأموال لرفاهية المواطن الأمريكي تعود بقوة ضمن الشعارات الانتخابية مع وعود واضحة جلية بإنهاء الحرب في أوكرانيا.

3- قبل شهرين أو ثلاثة من أحداث 7 أكتوبر 2023 تبين للمراقبين الغربيين أن طرد روسيا من الأراضي التي احتلتها في أوكرانيا بات أمرا صعبا للغاية.

وبدأت تظهر لأول مرة إشارات في الغرب على أنه لابد في النهاية أن يكون هناك وقف لإطلاق النار والاستعداد للتسوية. إذا صدقنا هذا المؤشر فإن معركة الشرق الأوسط كانت دفعا لإشعال النار الأخير لتحسين أوضاع التفاوض الروسي.

4- هناك مؤشرات غير معلنة أن دولا عربية معادية لإيران سعت إلى استرضاء روسيا بما تملكه من عناصر قوة: الأموال والاستثمارات.

وتقول هذه المؤشرات إن روسيا ربما أبدت تفهما لهذا السلوك العربي. وهذه الدول العربية هي نفسها التي كانت تتمنى خسارة إيران وحركات المقاومة، ولا سيما بعد أن أصبح موقف الحوثيين بالغ الخطورة على السعودية، وموقف إيران بالغ الخطوة على الإمارات وعلى توازن القوى بين السنة والشيعة في المشرق العربي وبلاد الشام، بما قد يشكل طوفانا إيرانيا شيعيا في المستقبل لا يقف في طريقه أحد.

5- لا يعني التوصل لوقف إطلاق النار في أوكرانيا أن عملية سلام نهائية ستتحقق، فتفسير السلوك السياسي البراغماتي لترامب يقول إن هدفه إنجاح فترته الرئاسية الثانية والأخيرة وبالتالي فإنه سيعمل مع روسيا على وقف الحرب وخفض النفقات العسكرية مع التسليم لبوتين بما حققه على أرض الواقع.

لن يغير ترامب مسميات الأشياء، فستظل حكومته تقول أرض أوكرانية محتلة مع وقف إطلاق النار. وهذا التسليم الترامبي ليس خيانة للقضية بل جاء ترامب وعلى مكتبه تقارير من الجنرالات الأمريكيين بأنه لم يعد في الإمكان تغيير الوضع العسكري على الأرض ولو بعد أربع سنوات مقبلة، أو أن تغييره يسلتزم كلفة مالية عالية.

6- في ظاهر الأمر ربحت روسيا بوتين في المعركة الأهم، المعركة الوجودية – معركة أوكرانيا – وهذا يضمن أن يعيش بوتين 4 سنوات أخرى في فترة ترامب وهو في استقرار وقد حقق أهدافه. لكن العلماء في الجغرافيا السياسية وفي السياسة الداخلية لروسيا يقولون إن هذا في النهاية سيكون ضد روسيا !

7- لماذا سيكون ذلك ضد روسيا؟ أو لماذا يتمنى الغربيون ذلك؟ لأن بوتين آخذ في التأخر في العمر، والسلطة من بعده في حالة غيوم في فترة شيخوخته المرتقبة، والأرجح أو الذي يتمناه الغرب أن نهاية عهده ستجلب تغييرا جذريا في روسيا، وحينها ستكون الفرصة مواتية لإعادة فتج ملف أوكراينا وتسليح جيشها لاسترداد أراضيها من جديد.

8- يظن الناس ان ترامب يطلق دعايات سخيفة حين يتحدث عن شراء جزيرة جرينلاند من الدنمرك، ولكن الجغرافيا السياسية تقول إن هذه ليست دعابات مجنونة بل “عين العقل الأمريكي” الطامع في ثروات القطب الشمالي واليقظ لإيقاف تدفق السفن الروسية والصينية في الممر التجاري الجديد في بحر الشمال. وإذا أصر ترامب على ذلك سيكون مستفيدا من مسألة توزيع مجالات النفوذ، بحيث إذا ترك لروسيا مكسبا في أوكرانيا فقد عوضه في جرينلاند في القطب الشمالي وفي الشرق الأوسط.

9- نفهم من هذا أن طوفان الأقصى كان مشهدا في المعركة العالمية الدائرة، وأن خطوات السلام التي بدأ الحديث عنها بين روسيا وأكرانيا هي فصل ابتدائي في المستقبل. ولن تكون هناك تسوية روسية – غربية كاملة لأ الغرب يراهن على تحولات ما بعد بوتين في قوة روسيا وضعفها، وبعد ترامب سيأتي رئيس أمريكي جديد أكثر شبابا من بوتين ينطلق من استمرارية استعمارية أمريكية، وفي وقت تم تثبيت وتعطيل واستنزاف الخصم الروسي في معركة أوكرانيا.

10- من سيحكم روسيا في سنوات الشيخوخة لبوتين: رئيس روسي جديد من عباءة بوتين؟ أم واحد من المغرمين بالغرب والانفتاح الديموقراطي والانسحاب من أوكراينا والاهتمام بالشعب الروسي ورفاهيته؟ دولة مركزية قوية على النهج البوتيني أم عرضة للتفكك والاشتعال في أماكن واقاليم بعيدة عن موسكو؟

إن كا ما نراه يؤكد أن منطقتنا العربية جزء من خريطة واسعة يتم فيها ممارسة أحدث أساليب الذكاء الصناعي والبشري في وقت نرتكب خطأ فادحا ونخوض معركة انتحارية بالتشتت والرجعية والتشرذم والطائفية والحروب الأهلية.

بقلم/د. عاطف معتمد 

استاذ الجغرافيا 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *