أوضاع الصحفيين المقلقة… وشرارات تسبق الحريق!!
يحيي قلاش يكتب:*
لا يمكن السكوت أو التغاضي عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي المُزري الذي وصلت إليه الغالبية العظمى من الصحفيين، والذي لم يعد يليق بهم تحت أي ظرف أو سبب.
وأمام انسداد كل السبل للحصول على الحد الأدنى للأجر، انفجر غضب الزملاء في جريدة الوفد قبل أسابيع قليلة، ودخلوا في اعتصام مفتوح، وتدخلت النقابة تضامنًا معهم لتؤكد موقفها الذي طالبت به المؤسسات الصحفية والمجلس الأعلى للأجور وكل الجهات المعنية بضرورة تطبيق الحد الأدنى للأجور.
وها هم الزملاء في موقع البوابة يلحقون بزملائهم في الوفد بعدما تحولت أوضاعهم إلى مأساة كاملة، ودخلوا الأسبوع الأول من الاعتصام داخل مقر عملهم.
كذلك تبدو النيران كامنة تحت الرماد في مؤسسات وصحف أخرى، تُنذر جميعها بأنها على شفا الانفجار.
النقابة تحاول القيام بدورها، لكنها ليست الجهة الوحيدة المسؤولة عن أوضاع الصحف. فالنقابة معنية بالصحفي، أما المؤسسات والجهات الإدارية والتنظيمية فهي المسؤولة عن تطبيق القوانين التي تقر حقوقًا أساسية، مثل: وجود لوائح تنظيم العمل، توزيع عادل للأجور، منظومة علاج حقيقية، صناديق بطالة، آلية لتعيين المتدربين، وضرورة تشكيل لجان نقابية منتخبة تمثل العاملين وتدافع عن حقوقهم… وغيرها من الأسس المهنية.
وهل يُعقل في ظل هذه الظروف الخانقة أن يستمر الصمت المطبق حيال أزمة صحفيين يعملون لأكثر من 15 عامًا دون تعيين؟
وهل ننتظر أن نصل بهم إلى الانفجار أو اليأس وربما ما هو أسوأ؟!
ناهيك عن خطورة غلق باب تعيين الأجيال الجديدة في الصحف القومية، وما يترتب على ذلك من آثار مدمرة على المهنة وعلى النقابة نفسها.
من الذي ينصح باستمرار هذه الأوضاع الملتهبة، بل ويشارك في تأجيجها؟
ومن الذي يطعن في جدوى لجان تطوير الإعلام؟
ومن الذي يُصدّق وعود الحكومة، وهي التي ساهمت في تفاقم الأوضاع بيد، بينما تشكل لجان تطوير بيد أخرى بناءً على تعليمات الرئيس؟!
ومن الذي يمنع الوزير الصديق خالد عبد العزيز من المبادرة والتدخل وفق صلاحياته القانونية لنزع فتيل هذه الأزمات؟!
النصيحة –إذا كانت هناك أطراف أخرى معنية وتشارك في إدارة هذا الملف– هي أن تبدأ أولًا بتشخيص صحيح لخطورة الوضع واستحالة استمراره، ثم وضع خطة علاج عاجلة وفورية.
فالصحفي لا يحصل على الحد الأدنى من الأجر أو من متطلبات الحياة، سواء أثناء العمل أو بعد التقاعد. وبدل التدريب، الذي تحوّل إلى “مسكن لمريض يحتضر”، يتم التلاعب به ولا يحصل عليه عشرات الصحفيين بحجج واهية. أما العلاج فأصبح ترفًا أو معجزة تتكفل به النقابة قدر ما تستطيع.
وكثير من الزملاء لا يغادرون منازلهم إلا للضرورة توفيرًا للنفقات، وأصبح تدبير مصروفات مدارس الأبناء يحتاج إلى معجزة… وغير ذلك الكثير مما يندى له الجبين.
لذلك لا بد من تدخل عاجل، يبدأ بوضع حد عادل للأجر، وليس الاكتفاء بالحد الأدنى، مع مضاعفة بدل الصحفيين بلا استثناء، ورفع قيمة المعاشات بما يلبي أدنى احتياجات الحياة. ويجب أن نتوقف عن تحويل هذه الحقوق إلى لعبة يستخدمها البعض لأغراض لا علاقة لها بمصلحة الصحفي أو المهنة.
لقد تجاهلت كل الأطراف نتائج الاستبيان الصادر عن المؤتمر العام السادس للصحفيين، والذي تحوّلت فيه أوجاع الصحفيين إلى صرخات واضحة جرى تلخيصها في توصيات ذهبت –كالعادة– إلى الأدراج.
وها هي الكاتبة الكبيرة الأستاذة سناء البيسي تشير في مقالها اليوم بـ«الأهرام»، ضمن سلسلة «السلطة الرابعة»، إلى خطورة التحولات التي ضربت حياة الصحفيين، مستشهدة بهذا الاستبيان.
إنها دعوة صريحة للإنقاذ، وللتوقف عن الألاعيب الصغيرة، وعدم التغافل عن بوادر حريق يلوح في الأفق… حريقٌ بدأت شراراته الصغيرة هنا وهناك، في مؤسسات كانت دائمًا في الصف الأول دفاعًا عن أمن الوطن وقضايا المواطن.
* نقيب الصحفيين الأسبق

Average Rating