العفو عن العقوبة: صلاحية رئيس الجمهورية في ضوء دساتير ما بعد ٢٠١١

Read Time:2 Minute, 33 Second

اسامة شمس الدين يكنب:*

يُعد حق العفو عن العقوبة من الحقوق الدستورية ذات الطبيعة الخاصة، لما ينطوي عليه من تداخل دقيق بين اعتبارات العدالة الجنائية ومتطلبات المصلحة العامة للدولة.

وقد حرصت الدساتير المصرية المتعاقبة، على اختلاف سياقاتها، على تنظيم هذا الحق باعتباره إحدى الصلاحيات السيادية المخولة لحاكم الدولة سواء في الأنظمة الملكية أو الديمقراطية، مع وضع ضوابط تكفل عدم إساءة استعماله أو انحرافه عن مقاصده الدستورية.

في عام 2010 مرت مصر بظروف سياسية عصيبة، وهي انتخابات مجلس الشعب آنذاك، التي ترتب عليها استحواذ الحزب الوطني على النصيب الأكبر من مقاعد المجلس، وهو ما أدى إلى احتقان عام نتيجة عدم التعبير الحقيقي عن إرادة الناخبين. والثابت واقعياً أن هذه الظروف كانت أحد أسباب قيام ثورة (25) يناير 2011.

وفي هذا التوقيت، مرت مصر بوجه خاص والوطن العربي بوجه عام بظروف سياسية واقتصادية صعبة للغاية، في بعض الدول العربية كسوريا وليبيا واليمن، وكادت أن تودي بمصر إلى مصير مجهول لولا تلاحم الشعب مع الجيش المصري الذي شكَّل درعًا وحصن أمان للشعب، وحماه كما تحمي الأم أبناءها.

وفي أعقاب نجاح الثورة، صدر الإعلان الدستوري الأول في 13 فبراير 2011، ونقل سلطة الحكم في الدولة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ثم صدر الإعلان الدستوري الثاني في 19 مارس 2011، والذي نص في المادة (56) منه على حق المجلس الأعلى للقوات المسلحة في العفو عن العقوبة: “يتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد، وله في سبيل ذلك مباشرة السلطات الآتية … العفو عن العقوبة أو تخفيفها، أما العفو الشامل فلا يكون إلا بقانون”.

 

ثم صدر دستور عام 2012، والذي سار على نهج الدساتير السابقة، فقرر نفس الحق لرئيس الجمهورية في المادة (149).

وتنص المادة (141) من الدستور على أن: “يتولى رئيس الجمهورية سلطاته بواسطة رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء؛ عدا ما يتصل منها بالدفاع والأمن القومي والسياسة الخارجية، والسلطات المنصوص عليها بالمواد (139)، (145)، (146)، (147)، (148)، (149) من الدستور”، وهو ما يظهر أن الأصل العام هو ممارسة الرئيس سلطاته بواسطة وزرائه، وأن العفو عن العقوبة من الصلاحيات المحجوزة للرئيس وحده.

وفي دستور عام 2014، نصت المادة (155) على أنه: “لرئيس الجمهورية بعد أخذ رأي مجلس الوزراء العفو عن العقوبة، أو تخفيفها. ولا يكون العفو الشامل إلا بقانون، يُقَرّ بموافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب”، وهو ما يضيف قيودًا جديدة على الحق، ويؤكد أن ممارسة العفو تخضع للرقابة الدستورية.

ويرى بعض الفقهاء أن حق العفو عن العقوبة يتصادم مع مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء، غير أن الشواهد التاريخية توضح أن استخدام هذا الحق يتم ضمن حدود ضيقة، بهدف تحقيق المصلحة القومية العليا أو أهداف سياسية واجتماعية محددة، ولا يجوز استخدامه لأغراض شخصية.

المادة الخامسة من دستور 2014 تؤكد على: “قيام النظام السياسي على أساس التعددية السياسية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات، والتوازن بينها، وتلازم المسؤولية مع السلطة، واحترام حقوق الإنسان وحرياته”.

والمادة (94) نصت على: “سيادة القانون أساس الحكم في الدولة، وتخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء، وحصانته، وحياده، ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات”.

وخلاصة القول، إن حق العفو عن العقوبة، كما نظمه الدستور المصري، حق استثنائي يُستخدم لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية محددة، ولا يمثل خروجًا على الفصل بين السلطات أو انتقاصًا من استقلال القضاء، طالما مورس بعد صيرورة الأحكام نهائيًا ضمن ضوابط دستورية واضحة.

*كاتب وباحث

Happy
Happy
100 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *