الإمام الغزالي… وغزالي العصر ٢-٢

Read Time:4 Minute, 27 Second

د. عادل القليعي يكتب

لا يزال حديثنا موصول عن أبي حامد الغزالي، الذي يعد بحق رجل من رجال الله الذين أخلصوا أعمالهم لله تعالى وسلكوا طريقه المستقيم، فأختارهم الله خداما واصطفاهم من بين خلقه لحمل أمانة الدعوة، فرعوها حق رعايتها علما وعملا فصاروا أولياء تحققت بهم مقامات الولاية وتحقق فيهم قوله تعالى: (إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين)، ولا نزكيه ولا نزكيهم على الله تعالى.

أيتها السيدات والسادة، نعم إنها رحلة طويلة قضاها الغزالي شاكا حتى وصل به الأمر إلى المرض فسعى خلف الحواس لعله يجد ضآلته المنشودة فوجدها سراب بقيعة يحسبه الظمأن ماءا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فأغلق بابها ،واتجه إلى العقل لعله يصيب فى سعيه ولكنه وجد نتائجه غير مأمونة، ثم هداه قلبه مدعوما بنور ايماني وعلم لدني إلى الحدس إلى الإلهام الذى يصحبه فيوضات ربانية فوجد ما كان ينشده فى المعرفة الوجدانية فوجد ضآلته التى تحقق سعادته و التى تتحقق له كشفا وذوقا ووجدانا ، والذى من خلاله تتحقق الرؤية القلبية، رأيت ربي بعين قلبي.

فبدأ قلبه يهدأ ونفسه تصفو وروحه تحلق به فى عروجات الألوهية ومعارج قدس ربانية محققا بذلك سعادته المنشودة، فزهد في الدنيا ولبس الخشن من الصوف تخلى عن كل صفات المحدثات المخلوقات وتخلى عن كل صفات الجسد فعانقت روحه السماء وبدأ رحلات ورحلات في التصوف وكتب كيمياء السعادة التى تحقق الطمأنينة للقلب وألف مشكاة الأنوار محدثنا عن النور، نور الله الذى لايهدى لعاص، فمارس التصوف علما وعملا، ودرس عمد كتب التصوف فطالع قوت القلوب لأبي طالب المكي، وكذلك كتب الحارس المحاسبي، والمتفرقات المأثورة عن الجنيد البغدادي، والشبلي والبسطامي.

وبعد المطالعة مارس التصوف فتحقق فيه مقام الولاية.

وذهب إلى القول أن هناك علوم من الممكن تدوينها في بطون الكتب، وهناك علوم تودع في قلوب العارفين لا يطالعها إلا من ذاق حلاوتها وسار في مقاماتها، فأصبح من أصحاب الرياضات والأحوال.

قدم الغزالي تعريفا للتصوف قال فيه: (التصوف هو قطع العلاقة عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكل الهمة على الله، وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل والعلائق).راجع المنقذ من الضلال، ضمن رسائل الغزالي، منشورات محمد علي بيضون بيروت، دار الكتب العلمية، ط أولي ١٩٩٤م، ص ٥٩.

أنظروا معي إلي هذا التعريف بعين الإعتبار، تعريف أقامه الغزالي على الكتاب والسنة، أنظروا لفظة التجافي، تتجافى جنوبهم عن المضاحع، أنظروا، إلي عبارة دار الغرور، ، (فلا تغرنكم الحياة الدنيا)، ثم أنظروا إلى دار الخلود، (وإن الدار الآخرة لهي الحيوان)، ثم اعتبروا قوله تعالى (اعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة)، (ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه).

فالغزالي رحمه الله تعالى أقام التصوف على الكتاب والسنة ناقدا أصحاب الشطحات وما تخبلوه من ترهات وخزعبلات، فرفض الفناء، فناء الناسوت في اللاهوت، ورفض الحلول والإتحاد مستبدلا هذه الألفاظ بألفاظ وعبارات أخرى، فنجده يستبدل لفظ الحلول والإتحاد بمقام القرب مستشهدا على ذلك بالحديث القدسي (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها)، وها هم أولئك تحققوا بالحديث والتزموا الطريق وتهجدوا ليلا بالنوافل، (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا)، فها هم وصلوا وارتقوا إلى مقام الحمد.

أما مكاشفته، فيرى أن العارفين بالله لا يعرفون فى الكون الاه ومن فرط حبهم له تعالى لا يرون فى الكون إلا الله محبوبهم فتعلقت القلوب بحبه وطارت الأرواح سابحة في ملكه وملكوته فشاهدوا نور الحق في كل شيئ يقول أنا الحق، فتحقق بمقام المقربين (فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم).

فتحققت لهم السعادة القصوى لبلوغهم المنى بعد عناء ومشقة، ، ولا تتحقق هذا السعادة إلا بالعلم والعمل والمجاهدة.

أما العلم فليس بدوام العزلة وإنما بالمواظبة على العلم وطلبه وعدم كتمانه، وأما العمل فلا يكون إلا برياضة تهذيب النفس وتطهيرها من أغلال شهواتها وضبط الغضب، فسعادة كل شيئ هي لذته وراحته، فلذة العين رؤية الصور الحسنة، ولذة الأذن سماع الأصوات الطيبة، ثم تتحول اللذة إلى سعادة دائمة، عندما يستشعر القلب جمال وعظمة خالقه، وروعة الكون، فيهتف القلب مسبحا بحمده، نعم سعادة ديمومية لا تنقطع، حقا (من ذاق عرف)، فأجل السعادات معرفة الله تعالى.

هذا هو العزالي الذى سلك الطريق فوجد ضآلته المنشودة.

لكن السؤال، من هو غزالي العصر وكل العصور، واهم من ظن أنني أتحدث عن شخوص بعينها، وإنما نخاطب الإنسان بما هو كذلك في كل زمان ومكان، في كل عصر من العصور، إذ لكل عصر مقوماته ومغرياته المادية، نعم نخاطب الإنسان الذي يجمع بين المتناقضات، يجمع بين جنباته جانبين، مادي وروحي، ومهمته المكلف بها التوفيق بين هذين الجانبين شريطة ألا يطغى جانب على جانب فلا تطغي الشهوة فيكون بهائميا ولا تطغى الروح فيكون ملائكيا وإنما نريده إنسانا يعيش واقعا مطلوب منه أن يتعايش معه.

نعم عصرنا مليئ بالمغريات المادية، مليئ بمخاطر الشهوات، انفتاح غير مسبوق جعل الإنسان كريشة في مهب الريح تتقاذفه الأهواء، بات مغتربا عن ذاته لا يدري ماذا يفعل وإلى أن يسير وإلي أي الأفكار يميل، فبات شاكا حتى في وجوده، في مصيره، بات عقله متأرجحا متسائلا إلى أين المسير، بات مفكرا، بات متدبرا، أصبح عليلا سقيما، ثم يأتيه فرج من الله تعالى، بعد عناء وشقاء، يأتيه بصيص أمل، يقيض الله له من يأخذ بيده ويهديه إلى الطريق المستقيم، فتتفتح مداركه، فيرى نور الحقيقة واضح وضوح الشمس، ويرى نور مقذوف في قلبه، فيصير بعد أن كان طالبا يصبح مطلوبا، لماذا، لأنه تجرد من شواغل المادة والحس، عرض الموضوعات على عقله ولما عجز العقل عن الإدراك استفتى قلبه، فإذا دخل النور في القلب انفسح وانشرح.

فإذا ضاقت بكم العقول بما رحبت فهلموا إلى رحابة وفسحة وسعة القلوب.

نعم لكل عصر غزالي، فهل تخلقنا بأخلاق هؤلاء، هل جعلناهم قدوة لنا بعد الله ورسوله.

* أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب حلوان

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *