من يوميات طالب شبه منحرف (٥)

Read Time:4 Minute, 33 Second

سماح

كانت وسيلة المواصلات الوحيدة الى اسيوط هو القطار السريع، او هكذا كانوا يسمونه الذى يغادر مدينتنا فى السابعة والنصف صباحا مما يجعلنى استعد له من السادسة حتى اصل المحطة فى الموعد المحدد، اما العودة من اسيوط فلم يكن امامنا سوى قطار 80 الذى يقوم من اسيوط فى الثالتة عصرا ليصل بعد خمس ساعات ، اما طلبة اسوان فكان يقضون فيه يوما وليلة نائمين على الارفف الخشبية…

فى احد الايام فى بداية عودتنا من اجازة نصف العام ذهبت الى المحطة ومعى حقيبتى الكبيرة و الكراتين المكتظة بحاجياتى، فوجدت المحطة كيوم الحشر فى انتظار وصول القطار الذى جاء وليس به موضع لقدم او لأصبع قدم فحملت اشيائى وفوجئت بفتاة سمراء تقول لى دون سابق معرفة وتسألنى إلى أين ستذهب فقلت لها إما إلى محطة الباص أو إلى موقف المحافظات، قالت أُفَضل موقف البيجو القريب من هنا فوافقتها كالمسحور وفى السيارة وجدنا مقعدين فى الخلف وجلسنا بعد ان تركنا حقائبنا واشياءنا للسائق ليقوم بترتيبها على سطح السيارة، اسمى سماح طالبة حقوق منتسبة، واعمل موظفة فى وزارة الزراعة وانا اعرفك تماما فقد حضرت حفلة تخرج اختى الطالبة بكلية الزراعة وكنت انت نجم الحفل بأشعارك المرحة عن الطالب احمد عريان الذى أرسل رساله الى امه فاطمة عمران انت عزت صح، قلت لها لا استطيع تكذيبك وقد تعارفنا بسبب زحمة المحطة..

ولم اكن ادرى ان سماحا ستكون بطلة قصيدتى التى نشرتها مجلة الكاتب بعدها بشهور وكان عنوانها لكن سماحا فتاة طيبة واننا سنكون اصدقاء او اصحابا كما طلبت بعد ذلك أن نحدد علاقتنا فى هذا الإطار.

اصطحبتها فى سيارة تاكسى الى مبنى الطالبات فى جمعية الشبان المسلمين

التى تقيم فيه ايامها التى تقضيها فى اسيوط، واخبرت رئيسة الدار اننى ابن خالتها ووقعنا على إقرار بذلك حتى تسمح لى بزيارتها او السؤال عنها.

 

كانت سماح طويلة ممشوقة القوام بشعرها الناعم الذى ينسدل حتى منتصف ظهرها كشلال من الليل وتمتلك عينين يمنحمها الكحل اتساعا لم أره فى عيون زميلات الكلية، كانت كما اخبرتنى أنها يتيمة الأم ومسؤولة عن تربية اخواتها وان والدها متزوج بأخرى تقيم معهم فى نفس البيت وأنها لجأت إلى الدراسة من جديد لتحصل على الليسانس الذى سيحسن من وضعها الوظيفى من كاتبة بالدبلوم إلى محامية فى الشؤون القانونيةبالإدارة التى تعمل بها.

 

قبل ان امضى بحقائبى الى سكنى فى39 شارع الجلاء اخذت هاتف الدار واعطيتها هاتف منزل الحاج إمام عبد الحافظ صاحب العمارة التى اقيم فيها حتى يسهل التواصل بيننا فيما بعد

بعد وصولى إلى شقتى بساعة قال لى صاحب البيت أن لى هاتفا يطلبنى فنزلت لأجدها تقول لى انها اكتشفت انها الوحيدة فى سكن الطالبات، وانها خائفة فقلت لها انتظرينى امام المبنى وسأصطحبك لنجلس فى اىمكان يروق لك واقترحت عليها كازينو النقره القريب منها وعلى بعد خطوات من سكنى

كان الكازينو ممتلئا بطلبة وطالبات الجامعة من العشاق وكانت سماح ترتعش خوفا ، فهذه هى المرة الاولى التى ترتادهذه الاماكن وتخشى أن يراها أحد من طلبة مدينتنا فطمأنتها واخبرتها أن هذا المكان يجلس فيه الطلاب ليذاكروا دروسهم فى الهواء الطلق ويستمعون إلى ام كلثوم واغنياتها التى لاتتوقف ليلا ونهارا وان صوت الغناء يصلنى وانا فى شرفتى التى لاتبتعد عن الكازينو

كانت أغنية من “أجل عينيك عشقت الهوى” تنساب كالنسيم الذى يعانق وجهينا، فقالت لى تصور اول مرة اسمعها فقلت لها انها جديدة ولم يمض على غنائها الكثير وهى من الحان الموسيقار العظيم رياض السنباطى وكلمات الأمير عبد الله الفيصل، والسنباطى هو الذى لحن لها الكثير من القصائد مثل الأطلال وقصيدة أبى فراس الحمدانى أراك عصى الدمع شيمتك الصبر والأمير عبد الله الفيصل هو الذى كتب اغنية عبد الحليم سمراء ياحلم الطفولة وبعد ان غناها حليم حدث لغط كثير عن المؤلف الحقيقى لها ورُفعت قضايا وحكمت فى النهاية لصالح الشاعر احمد مخيمر.. قالت سماح بعد ان هدأ خوفها تعرف كل هذا وتجلس بجانبى، انا احس بجهلى والله ثم ابتسمت وقالت ياترى هل تعرف عن الزراعة مثل ماتعرفه عن الشعر والغناء ثم اشارت الى الشجرة التى نجلس تحتها طيب هذه الشجرة ما اسمها؟

قلت لها اسمها الجاكرندا وازهارها بنفسجية غزيرة الازهار ورحيقها مفضل للنحل، وهى شجرة مزهرة جميلة ذات رائحة عطرية رحيقية مميزة .

وهى أجمل شجرة في العالم، تتميز بزهورها البنفسجية الزاهية التي تتخذ شكل حمائم مجتمعة في مظهر فريد مدهش، وهي شجرة مناسبة للبيئة العربية وتتحمل درجات الحرارة المرتفعة، فهي إذن شجرة الزينة الجذابة في المنازل والحدائق والأماكن العامة.

هذه الجوهرة الاستوائية موطنها الأصلي هو المكسيك ومناطق الكاريبي وأميركا الجنوبية، وهي تتربع على قائمة اجمل الأشجار المزهرة في العالم، وفي استراليا، تشتهر الشوارع باللون البنفسجي الذي يغطيها في نهاية الربيع ومجيء الصيف لكون الجاكراندا منتشرة بكثرة في المدن الاسترالية وترتبط بالاعياد والاحتفالات عند الناس.

وفى مدينة بريتوريا في جنوب افريقيا يطلق عليها “مدينة الجاكراندا” لأنها الشجرة الرئيسية في شوارع ومنتزهات المدينة، حيث أنه في بداية الصيف تكتسي المدينة باللون البنفسجي المدهش عندما يصل إزهار الشجرة إلى ذروته. ويعتقد الطلاب والتلاميذ أنه اذا سقطت على أحدهم زهرة جاكراندا فسيتجاوز جميع الامتحانات! وهي تزهر في فترة الامتحانات الدراسية في البلاد،

فضحكت وقالت لا لا انا وقعت فى شبكة معلومات قم بناحتى لا اتأخر عن الدار فقلت لها طيب انتظرى قليلا حتى اكمل الاستماع الى اغنية محمد قنديل سحب رمشه ورد الباب فقالت لى وهذه هل تعرف ملحنها قلت لها هى أحب الاغنيات إلى قلبى وقد تضافرت فيها الكلمات المدهشة مع اللحن العبقرى مع الصوت الدافىء الحنون فمؤلفها هو الشاعر المتصوف الرائع عبد الفتاح مصطفى والملحن عبد العظيم عبد الحق وعلى فكرة استاذنا عبد الفتاح هومن استضافته الاذاعية العظيمة هدى العجيمى

فى برنامجها الأشهر مع الأدباء الشبان ليناقش أشعارى وقال إن هذا الشاعر العفريت سيكون له الشأن الكبير وسيكون فى طليعة شعراء جيله رغم انه لم يزل طالبا فى الجامعة…

وعندما انتهى قنديل من اغنيته ضحكت وقالت هيا بنا والله لم اسحب رمشى ولم افعل شيئا ولم أرد بابا امام احد.

بقلم الشاعر/ عزت الطيري 

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *