نزاع الوطن والدين!
تصالح مع نفسك، ولا تضرم نزاعا فيها بين عقيدتك ووطنيتك.
فـ”العقيدة” و”الوطنية” متصالحان، متوائمان، مذ أدركهما وعي الإنسان.
لا “وطن” بدون “دين”، ولا “دين” بدون “وطن”، وفهمها “محمد”، صلى الله عليه وسلم، فقاد جيوشه من اجل تعبيد “وطن للإسلام”، لا من أجل نشر “تعاليم الإسلام”، إذ كان ممكنا نشر تعاليم الإسلام دون تحريك جيوش، ولنا في بعث “معاذ بن جبل”، رضي الله عنه، إلى “اليمن” مع وفد مسيحيي “نجران” دليلا واضحا.
بذيوع “التعاليم” ينتشر الدين، لكن يرسخ بالأرض، بـ”الوطن”.
“الوطن” يعني قوة فاعلة، تبذل اقتصادا يوظف لمتطلبات “العقيدة”. ويصرف على جيش يحميها. وكان لـ”محمد”، صلى الله عليه وسلم، طموح “سياسي”، والسياسة شغل “أرض”، لا شغل “سماء”، سعى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأن تسود “قريش” العرب والعجم، وهذا توجه قومي، يشتمل على توجه “وطني”. ولن ننسى ما قاله “محمد”، صلوات الله وسلامه عليه، لوفد المشركين عندما جاء إلى أبي طالب ليوقف ابن أخيه عند حده، فطلب منهم النبي، صلى الله عليه وسلم، أن يقولوا كلمة: “لو قالوها لسادوا العرب والعجم”. ها هو النبي لا يتكلم عن كلمة “لو قالوها لاتقوا النار ودخلوا الجنة”، بل كلمة “لو قالوا لسادوا العرب والعجم”. كلمة سياسية وطنية.
وأقر النبي، صلوات الله وسلامه عليه، الانتماء الوطني في الإنسان، والمسلم إنسان، فكان الجيش المحمدي يزحف تحت راية واحدة رئيسة، تتعدد تحتها رايات، هذه راية “للمهاجرين”، وتلك راية “للأنصار”، ثم تحت الرايتين رايات، هذه لقبيلة كذا” وتلك لقبيلة كذا، وكل فرقة في “الخميس” تمثل قبيلة” عليها قائد منها.
وعندما اوقع النبي” صلى الله عليه وسلم” بيهود “بني قريظة” حين غدرهم أيام “الخندق”، حاصرهم حتى نزلوا على حكمه، فتخوف “الأنصار” من أن يستأصل النبي” صلى الله عليه وسلم” شأفتهم، وهم مواليهم، فأعلنهم بأنه لن يحكم عليهم، سيفعل ذلك رجل من “الأنصار”، وكان هو سيدهم “سعد بن معاذ”، فلما استُدعي، وحضر، قال لهم النبي: “قوموا لسيدكم”. ها هنا بزغت سيادة “الانتماء”، لا سيادة “العقيدة”، وإلا” فالنبي” صلى الله عليه وسلم” سيد المسلمين جميعا. وقد ثمن المصطفى سيادة “الانتماء” غاليا.
والانتماء “الوطني” محمود إذا صب في صالح صياغة “شخصية الوطن”، إذا كان الشرارة التي تشعل النار القادرة على التشكيل الأروع، وفي “الإسلام” تتحول “الوطنية” إلى “جاهلية” في حالة واحدة فقط، إذا تعالى المنتمون بـ”وطنيتهم” فوق “عقيدتهم”، لأن من الحق القول إن “العقيدة” أشمل وأوسع من “الوطنية”.
“العقيدة” قادرة على توحيد أكبر عدد من الكيانات الإنسانية، على جعل الإنسان أخا للإنسان مهما اختلفت الألوان والأوطان، في حين لا تفعل “الوطنية” الخالية من دسم “العقيدة” ذلك.
قل: أنا “مصري”؛ وقل: “أنا مغربي”، أو “إماراتي”، أو “جزائري”، أو “سوداني”، أو “سعودي”، أو “ليبي”، أو، أو، أو .
قلها باعتزاز .لكن المقولة تحتاج العمل لها بإخلاص.
فالعمل لها هو، بالأصل، عمل للعقيدة..
بقلم/ أشرف الخمايسي
روائي مصري

Average Rating