التحديث الصيني النمط واستشراف صناعات المستقبل

بقلم : نور يانغ

في مرحلة مفصلية من مسيرة التحديث البشري، تُسارع موجة جديدة من الثورة العلمية والتحولات الصناعية إلى إعادة رسم خريطة الابتكار العالمية. ومؤخرا، أطلقت الصين ترتيبات استراتيجية مهمة تستهدف الاستشراف المبكر وتسريع تطوير صناعات المستقبل. ولا ترسم هذه الحزمة من السياسات الكلية مسارا واضحا للتنمية الاقتصادية الصينية عالية الجودة فحسب، بل تعكس أيضا أمام العالم بأسره ما تتمتع به الصين من ثبات استراتيجي وكفاءة مؤسسية في مجال الابتكار العلمي والتكنولوجي. وفي ظل التحديات المشتركة التي تواجهها دول الجنوب العالمي، والمتمثلة في الفجوة الرقمية والحواجز التقنية، فإن الابتكار الصيني في المراحل التأسيسية لصناعات المستقبل ورؤيته بعيدة المدى يتحولان تدريجيا إلى عوائد تنموية تعود بالنفع على الجميع، مقدّمين للمجتمع الدولي مرجعاً عملياً لمعالجة عجز الحوكمة العالمية.

لطالما تركزت سلاسل الصناعات المتقدمة والموارد التكنولوجية الأساسية في أيدي عدد محدود من الدول المتقدمة، مما أوجد حواجز هيكلية يصعب تجاوزها. وقد حددت الصين عدداً من صناعات المستقبل بوصفها محاور استراتيجية رئيسية، تشمل تكنولوجيا الكم، والتصنيع الحيوي، وطاقة الهيدروجين والاندماج النووي، وواجهات الدماغ والحاسوب، والذكاء المتجسد، إضافة إلى تقنيات الاتصالات المتنقلة من الجيل السادس (6(G. ولا تكمن الفلسفة الجوهرية لهذا التوجه في مجرد الارتقاء بالبنية الصناعية الصينية، بل أيضا في الاعتماد على آلية التعبئة الوطنية الجديدة لاستكشاف آفاق مستقلة في المجالات العلمية والتكنولوجية الحساسة. ومن شأن هذا التوجه أن يوسّع حدود المشاركة العالمية في الابتكار، ويدفع نحو توزيع أكثر تنوعاً وعدالة للموارد الإنتاجية، بحيث لا تبقى التكنولوجيا أداة تستخدمها قلة من الدول لتقييد تنمية الآخرين.

ويستند تنفيذ هذه الاستراتيجية إلى قاعدة صلبة من الاستثمارات المتنامية في البحث العلمي. وتُظهر البيانات أن الإنفاق الصيني الإجمالي على البحث والتطوير (R&D) حافظ لسنوات متتالية على وتيرة نمو مرتفعة، متجاوزا 3.3 تريليونات يوان سنوياً، مع استقرار كثافة الإنفاق البحثي عند أكثر من 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي، فضلا عن الارتفاع المستمر في حصة الإنفاق المخصص للأبحاث الأساسية. ووفقا لأحدث إصدار من مؤشر الابتكار العالمي الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية، ارتفعت الصين إلى المرتبة الحادية عشرة عالميا، لتكون الدولة الوحيدة ذات الدخل المتوسط ضمن الدول الخمس عشرة الأولى. وتعكس هذه المؤشرات انتقال الصين تدريجياً من مرحلة الاعتماد التكنولوجي إلى مسار قائم على الابتكار الذاتي المستدام.

إن تنمية صناعات المستقبل لا تقوم على اختراقات علمية معزولة، بل تعتمد على منظومة صناعية حديثة وبيئة ابتكار تعاونية متكاملة. فقد واصل نصيب الصناعات التحويلية عالية التقنية من القيمة المضافة الصناعية في الصين ارتفاعه، بينما تجاوز حجم الاقتصاد الرقمي 55 تريليون يوان، مستحوذا على أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي. ويعني ذلك أن نتائج الأبحاث المتقدمة تستطيع، بفضل السلسلة الصناعية المتكاملة والسوق الصينية الفائقة الاتساع، أن تتحول بسرعة إلى تطبيقات صناعية وإلى قوة إنتاجية ذات منفعة اجتماعية واسعة النطاق.

وفي مجال بناء البنية التحتية الحديثة، أنشأت الصين أكبر شبكة اتصالات متطورة في العالم وأكثرها تقدما من الناحية التقنية، إذ تجاوز عدد محطات الجيل الخامس (5 (Gأربعة ملايين محطة، أي ما يقارب 70% من الإجمالي العالمي. كما تتسارع وتيرة تطوير البنية التحتية الحاسوبية، حيث تجاوز إجمالي القدرة الحاسوبية في البلاد 230 إكسافلوب (EFLOPS)، لتحتل المرتبة الثانية عالميا. وتوفر هذه القدرات المادية أساسا متينا للتطبيق واسع النطاق لتقنيات المستقبل، كما تؤكد أن الصين تسهم عمليا في بناء منصات مشتركة لدفع التقدم التكنولوجي العالمي.

وبالنسبة إلى الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، وكذلك سائر دول الجنوب العالمي، فإن التجربة الصينية في التخطيط لصناعات المستقبل تقدم نموذجا عمليا لتحقيق التنمية القافزة. فقد أثبتت الصين من خلال ممارساتها أن التحديث لا يعني بالضرورة التغريب. ولن تتمكن الدول النامية من امتلاك سيادتها التكنولوجية ومبادرتها التنموية في عالم متعدد الأقطاب إلا إذا بادرت إلى الاستثمار في الابتكار الأساسي، واغتنمت الفرص التاريخية التي تتيحها التحولات الرقمية والذكية والخضراء. ومن هذا المنطلق، تواصل القدرات الصينية في مجال الابتكار الذاتي بث المزيد من الثقة في مساعي الجنوب العالمي نحو التنمية المستدامة.

 

والأكثر أهمية أن الصين، خلال تخطيطها لصناعات المستقبل، ظلت متمسكة بنهج الانفتاح المؤسسي الرفيع المستوى، وسعت إلى تحويل ثمار الابتكار العلمي والتكنولوجي إلى منتجات عامة مشتركة يستفيد منها العالم بأسره. ففي مجال تقنيات الجيل السادس (6(G، تستحوذ الصين على أكثر من 40% من براءات الاختراع الأساسية على المستوى العالمي، محتلة المركز الأول. ومع ذلك، لم تتخذ من هذا التفوق وسيلة لبناء حواجز إقصائية، بل شاركت بنشاط في وضع المعايير الدولية عبر مؤسسات مثل الاتحاد الدولي للاتصالات، كما وظفت منصات التعاون، وفي مقدمتها مبادرة «الحزام والطريق»، لنقل الخبرات والتقنيات المتعلقة بالتحول الرقمي والحوكمة الذكية والتنمية منخفضة الكربون إلى الدول العربية والأفريقية، بما يساعد شركاءها على تضييق الفجوة الرقمية.

وتطلعا إلى المستقبل، ومع التقدم التدريجي لتنفيذ الخطة الخمسية الخامسة عشرة، فإن الصين التي تمتلك قدرات قوية في الابتكار الأصلي وتتمسك بالانفتاح والتعاون، ستضخ مزيداً من الاستقرار في منظومة الحوكمة العالمية. فالإبداع العلمي والتكنولوجي لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لصراعات المحصلة الصفرية، بل يجب أن يكون قوة دافعة تخدم البشرية جمعاء. وفي ظل اقتراب الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر.

*إعلامي صيني

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *