المعهد العالي للفنون الشعبية بين إستقلال المجالس العلمية وتغول الإدارة التنفيذية

بقلم : محمد جمال الدين*

إن المسرح في بنيته الفلسفية الأولى كما يتصوره أرسطو وهيجل وغيرهما، هو تجسيد للحقيقة، ومرآة للوعي الأخلاقي، ومساحة لمكاشفة الذات والمجتمع، وإذا كان المسرح الشعبي بصفة خاصة يشكل وجدان الأمة ويختزن ذاكرتها الشفهية والرمزية، فإن إختزال هذا الحقل المعرفي إلى ساحة للتدليس العلمي، والإلتفاف القانوني يمثل مفارقة فلسفية حادة، إذ يُمارس الزيف تحت لافتة “دراسة أشكال الفرجة والوعي الشعبي”، وهو عنوان أحد رسائل الماجستير التي تم مناقشتها بشعبة المسرح الشعبي، بقسم فنون الأداء الشعبي، بالمعهد العالي للفنون الشعبية، بالمخالفة لكل اللوائح والقوانين.

​إن المعاهد والمؤسسات البحثية ليس مجرد هيكل إداري يمنح درجات وثائقية، بل هو مجتمع أخلاقي معرفي يستمد مشروعيته من صرامة المنهج، ونزاهة الأمانة العلمية، وحينما تُستبدل معايير الصلاحية والأمانة العلمية بمنطق التغطية الإدارية والمحسوبية والمواءمات السطحية، تنحط المعرفة من بوابتها الرصينة إلى شكليات جوفاء، وتتحول الدرجة العلمية من إقرار بالكفاءة إلى رخصة صريحة للإفلات من الحوكمة.

​تبدأ الأزمة العلمية عند مناقشة رسالة ماجستير، تناولت أشكال الفرجة الشعبية في عروض المسرح المصري الشعبي، وقد تمت المناقشة بتاريخ 23 فبراير 2022، حيث كشفت قراءات الفحص والتدقيق المتأخرة قُبيل جلسة المناقشة العلنية، عن شواهد موضوعية وقرائن واضحة، تؤكد إختلال شرط الأمانة العلمية، وذلك بعد أن وصلت معلومات مؤكدة إلى المشرف ولجنة المناقشة، تؤكد ما تحمله تلك الرسالة من عوار علمي، وتجلى ذلك في مسألتين حرجتين هما، ​غياب الأصالة البحثية والإصطناع، من خلال وجود مؤشرات إثبات ترجح أن المتن العلمي لم يكن من إنتاج الباحثة ذاتياً، بل كُتب بأيد متعددة وخارجية، مما يسقط ركن الأصالة المعتمد في المناهج الأكاديمية الرصينة، إضافة إلى الإنتهاك المنهجي والاستحواذ العلمي، من خلال إحتواء متن الرسالة على إقتباسات شاسعة، غير معزوة لأصحابها الأصليين، فضلاً عن الإدعاء بالمراجع والتصنيفات الشارحة دون الرجوع الفعلي للأصول بببليوغرافيا المادة الشعبية.

​وكان حرياً بالنظام الأكاديمي الصارم إيقاف المناقشة أو إحالة الأمر للتحقيق فور الإستيقان من الخلل الإداري والبحثي، الذي أكدته المعلومات التي وصلت للمشرف والمناقشين، إلا أن المشرف ولجنة المناقشة والحكم في محاولة لإحتواء موقف معقد داخل الهيكل المؤسسي، وجهت الباحثة لضرورة إجراء تعديلات جوهرية وحذف كافة السرقات، وإعادة الصياغة الذاتية للمادة العلمية، كشرط لازم لمنح الدرجة العلمية.

و​تستند ممارسة البحث العلمي بالمؤسسات العلمية المصرية، إلى أطر تشريعية ملزمة لا تحتمل الإجتهاد الفردي، أو الرغبات التنفيذية لشاغلي مناصب الإدارة، وبقراءة إجرائية لمسار هذه الرسالة، يتكشف حجم التجاوز القانوني في التغاضي عن المدد والإجراءات الحاكمة، إذ ​تنص المادة (105) من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972 (والصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 809 لسنة 1975)، على تقديم لجنة الحكم والمناقشة تقريراً مفصلاً يتضمن النتيجة، وتحدد اللوائح الموحدة للدراسات العليا المدى الزمني الحاكم والمحدد بدقة لتنفيذ التعديلات الموصى بها، والتي لا تتجاوز مدة من 3 إلى 6 أشهر كحد أقصى من تاريخ جلسة المناقشة.

كما تناولت القوانين واللوائح المنظمة ​الأثر القانوني لإنقضاء المدة، إذ يُلزم القانون الباحث بتقديم تقرير صلاحية معتمد وموقع من المشرف الرئيس، يقر فيه باستيفاء التعديلات، وإذا انقضت المهلة القانونية القصوى دون استيفاء المراجعة والتعديلات، تعتبر المناقشة لاغية، وكأنها لم تكن، وتسقط القيمة الإجرائية لتقرير لجنة المناقشة، ويصبح اعتماد الدرجة غصباً للسلطة، ومخالفة صريحة للائحة التنفيذية، وعلى الرغم من وجود اللوائح والقوانين، و عقب المناقشة المذكورة، تغيبت الباحثة (التي تشغل درجة معيدة بالقسم حينها)، عن تقديم أي تعديلات واستغلت إجازات تنظيمية، (رعاية طفل) للإمتناع عن تنفيذ وتسليم التعديلات، واستمرت في الإنقطاع والإمتناع لأكثر من عام كامل دون تقديم المادة المعدلة.

​وجه المشرف الرئيس مخاطبات رسمية إلى إدارة المعهد (العميد السابق)، موضحاً إنقضاء المهل القانونية المحددة باللوائح، ومطالباً بإعمال أحكام القانون وإلغاء القيد أو إتخاذ الإجراءات التشريعية المترتبة على ذلك، إلا أن الإدارة التنفيذية آنذاك رفضت السير في الإجراء القانوني، وحاولت الضغط باتجاه تمرير الرسالة بحالتها دون تعديل، مما دفع المشرف للإعتذار الرسمي عن الإشراف على كافة الرسائل التي يشرف عليها، وإخلاء مسئوليته عن تلك الرسالة، إعتراضاً على الدفع بممارسات تخالف القانون، والسؤال هنا لماذا رفض العميد السابق إتباع الإجراءات القانونية الصحيحة؟.

​استمر المسلسل ذاته مع تولى (العميدة الحالية)، حيث أحيطت علماً عبر كتابات رسمية بتجاوز الباحثة لعام ونصف العام دون تعديل، مع إنعدام الصلاحية العلمية للرسالة، وبدلاً من إنفاذ مقتضى المادة (105) من اللائحة التنفيذية، وإعلان بطلان إجراءات المناقشة، تمت ممارسة ضغوط إدارية متواصلة لإلزام أعضاء اللجنة بالتوقع على استيفاء التعديلات الشكلية، وللأسف ​آلت النتيجة إلى منح الدرجة العلمية، وتعيين الباحثة في درجة “مدرس مساعد”، بل وتم تكليف رئيس القسم بالإشراف على الدكتوراه للباحثة ذاتها، في مشهد يحرم المؤسسة من مبدأ تكافؤ الفرص والجدارة المعرفية، والسؤال هنا أيضا لماذا أصرت العميدة الحالية على تمرير تلك الرسالة، ورفضت إتخاذ الإجراءات القانونية؟.

​وكانت النتيجة التلقائية للخطأ الإداري، والممارسات السابقة، محاولة التغطية على العوار العلمي الموجود بتلك الرسالة، من خلال تغييب الأدلة والوثائق، ويتجلى ذلك في إخفاء نسخ الرسالة العلمية، (سواء النسخة التي نوقشت، وكذلك النسخة المدعى تعديلها)، وحجبها عن مكتبة القسم، ومكتبة المعهد، والمكتبة المركزية، على غير العرف الأكاديمي والإستحقاق القانوني لإتاحة الرسائل الممنوحة للكافة.

إن الأدلة الموثقة المادية الملموسة، المستندات التي تحت أيدينا تؤكد عدم إجراء أي تعديلات جوهرية تُذكر، بل بقيت السرقات، والتلفيقات الببليوغرافية كما هي، مما يعزز القول بأن منح الدرجة تم بناءً على إجراءات باطلة بطلاناً مطلقاً، لمخالفتها النظام العام الأكاديمي، ومواد لائحة قانون تنظيم الجامعات.

​وعليه فإن أخطر ما يواجه المؤسسات التعليمية والثقافية، ليس قلة الموارد أو ضعف الإمكانيات، بل هو التآكل الأخلاقي الداخلي الذي يجعل من الإنتهاك قاعدة، ومن النزاهة إستثناءً يُحارب، وقضية شعبة المسرح الشعبي بقسم فنون الأداء الشعبي، لا تتلخص في مجرد رسالة علمية كُتبت في خفاء، أو أُجيزت بغير حق، بل هي مؤشر على أزمة أعمق تتصل بفلسفة الحوكمة داخل المعهد، فحينما تُهدر المهل القانونية، وتُمارس الضغوط التنفيذية لكسر إرادة الأساتذة والأقسام العلمية، وتُحجب الرسائل عن أرفف المكتبات خشية الفحص، فإن المتضرر الأول هو سمعة البحث العلمي الوطني، ومستقبل الأجيال الأكاديمية القادمة، وعليه فإن الإصلاح العلمي الحقيقي يبدأ من تفعيل سيادة القانون، وتأكيد سلطة المجالس العلمية المستقلة، والتأسيس لبيئة بحثية تُقدس الأمانة والشفافية، وتضع حدوداً فاصلة بين الإدارة التنفيذية، والمسئولية الأخلاقية للبحث العلمي.

* مقالات الرأي تعبر عن أفكار كتابها وليست بالضرورة تعبر عن راي المنصة

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *