بدعة اختلاق علوم موسيقية وهمية.. العروض الموسيقية نموذجاً

تخوض الموسيقي المصرية المعاصرة مأزق علمي كبير للغاية، هي كارثة بدأت أقدامها تدب منذ القرن السادس عشر إثر الاحتلال العثماني لمصر، ومازالت تتفاقم وتتفاقم إلي يومنا هذا، وهي اختلاق علوم موسيقية وهمية، إنهم يبتدعون علوما موسيقية في وتبلغ شجاعة البعض حد إقرارها وإنزالها على روؤس الطلاب بالمعاهد والكليات الجامعية، والزج بها في مناهج الدراسة النظامية، برغم أنها مختلقة اختلاقا ولا وجود لها بين مقررات العلوم الموسيقية في معاهد وجامعات العالم، ومن تلك العلوم المختلقة على سبيل المثال لا الحصر ، ما يسمى علم العروض الموسيقي .

ما من شك في أن كتابة النغم (التدوين الموسيقي) كانت اكبر مشاكل تاريخ الموسيقي، وقد كانت الشعوب القديمة تبكي دوما فقدان ألحانها ونسيان وتبدل انغامها من جيل لجيل ، ولا مفر، إذ لم تكن هناك وسائل لتسجيل الألحان، وأصبح ابتكار كتابة النغم حلما كبيراً يراود الجميع وأمنية بعيدة المنال .

وقد أنشأت الحضارات المبكرة بداية من الإغريق طرقا أولية لكتابة الموسيقي مثل ” التدوين الهجائي” بمنح كل نغمة من نغماتهم حرف من حروف اللغة الإغريقية ، فإذا أرادوا كتابة لحن وجدوا لكل نغمة من نغماته حرف من اللغة دال عليها فكتبوا النغمات بحروف اللغة تباعا.

وقد عجزت هذه الطريقة عن تحقيق أهداف كثيرة فلم تتمكن مثلا من تحديد الزمن الذي تستغرقه كل نغمة، أي تحديد الإمتداد الزمني لكل نغمة داخل اللحن ، الامر الذي أثر سلبا على تدوين الالحان وبالتالي استردادها .

لذا ذهبت الحضارات الاكثر تقدماً ومنها العربية للبحث عن طرق أخري لكتابة النغم، وكانت احدي هذه الطرق هي “عروض الشعر” حيث استخدمت بحور الشعر وتفاعيله لتحديد الزمن الذي تستغرقه كل نغمة نسبة إلى غيرها من النغمات، ومن عروض الشعر أصبح كل من السكون والحركة والوتد والسبب يشير إلي زمن موسيقي أو آخر، ولذا سميت أولي إيقاعات العصور الوسطي العربية باسماء بحور الشعر ذاته: ” إيقاع الرجز، إيقاع الرمل … إلخ ” تماماً مثلما فعل الإغريق قبلهم حين أطلقوا على إيقاعاتهم أسماء بحورهم الشعريه ” إيقاع ايامب ، إيقاع انابست ، إيقاع تروخي ، داكتيل، سبوندي …

ورغم أن هذه الخطوة حققت قدرا أعلي من التقدم إلا أن تحديد زمن كل نغمة (تحديد الزمن الموسيقي) ظل قاصراً ، وظلت تفاصيل الإيقاع الأكثر دقة ناقصة، ولذلك توالت الإبتكارات، ومنها ما ظهر في اوروبا مثل: تدوين الإشارات والتدوين الروماني الكورالى والتدوين الكنسي .

وكلها خطوات أفضت في النهاية إلي التدوين الأكمل ” تدوين المدرج ذي الخطوط الخمس ” وهو المتبع الآن ، أي أن تدوين اليوم إنما يتضمن خطوات التطور السابقة، ولقد أختتمت الرحلة وتبلور علم ” الصولفيج” القاضي بتدوين الموسيقي على المدرج .

وعلم ” الصولفيج ” القائم على ” تدوين المدرج ” هو ما تعلمناه بمعاهدنا وكليتنا المصرية وما تدرسه كافة معاهد العالم الآن باعتباره طريق التدوين الأمثل الذي بلغته البشرية.

غير أننا لا نكتفي به كما تكتفي كل دول العالم، وانما نذهب إلي ” العروضية التاريخية القديمة ” ونوقظها من رقادها ونبعثها ثم نلطم بها وجوه الطلاب ليذاكروها ويعبروا امتحانها، لقد راحت تلك ” العروضية ” البالية تزاحم في عقول الطلاب الكتابة العصرية المكتملة ” الصولفيج ” وأصبحنا نحن نبعث للحياة خطوة تاريخية عتيقة وناقصة من خطوات تشكل علم التدوين،

واذا تتضمن دراسة علم التدوين المعاصر “الصولفيج” الخطوات التاريخية السابقة عليه ، فاننا نزاحمه بخطوة تاريخية أدت إليه هو نفسه، ونخلط بذلك ماضي العلم بحاضره ونثير التشوش ونجعل الطالب يتسائل مندهشا حائراً: لماذا أكتب النغمات ناقصة في مادة العروض بينما أكتبها مكتملة في مادة الصولفيج ؟ فلكل علم تاريخ خاص وما نقوم به من إقتطاع جزء من تاريخ علم “الصولفيج ” وتلقينه بوصفه علما كاملاً لهو أمر مثير للدهشة وباعث على الفوضي حقا .

وإذا كنا نحن على صواب في ذلك فلماذا تكتفي اليوم معاهد اليونان ب “الصولفيج” وتترك ماضيها من “التدوين الهجائي” ؟ لماذا تكتفي معاهد ايطاليا (كونسرفاتوار روما مثلاً) ب “الصولفيج” ولا تتناول إلي جانبه ” التدوين الروماني القديم ” ؟ لماذا تبتعد إيطاليا عن تدوين إمبراطورية روما هذا ؟ إنها تبتعد لان قديم العلوم ناقص دائما ولأن العلوم لا تعود ابدا لبداياتها ولا ترجع لماضيها بحال، تبتعد ايطاليا لان كل علم يظل يصحح أخطائه ويستكمل نواقصه ولا يستطيع بعد ذلك العودة للوراء .

بقلم / د . محمد جمال الدين

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *